الشيخ محمد رشيد رضا

22

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تقى أمته مصارع الهلكات ، أو ترفعها على غيرها درجات ، أو تسد الخروق التي حدثت في بناء الدين ، أو تزيل السدود والعقبات من طريق المسلمين فان هذا النوع من الظلم هو الذي لا يعذر صاحبه بوجه من وجوه العذر التي يتعلل بها سواه من ظالمي أنفسهم أو التي قد تكون أعذارا طبيعية فيمن لم يؤخذ بأدب الدين كثورة الغضب وسورة الشهوة العارضة . ( قال ) ترى كثيرا من أغنياء المسلمين عارفين بما عليه أمتهم من الجهل بأمور الدين ومصالح الدنيا وفساد الأخلاق وتقطع الروابط وتراخى الأواخى وما نشأ عن ذلك من هضم حقوقها وانتزاع منافعها من أيدي أبنائها ويعلمون أن إصلاحهم يتوقف على بذل شئ من أموالهم ينفق على التربية والتعليم ونحوهما من المنافع العامة ثم هم يدعون إلى بذل قليل من كثير ما خزنوه في صناديق الحديد وما ينفقونه في شهواتهم ولذاتهم وتأييد أهوائهم وحظوظهم فيبخلون بذلك ويرونه مغرما ثقيلا ، ولا يحفلون بوعد اللّه للمنفقين في سبيله ولا وعيده للباخلين بفضله . وأمثال هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من المسلمين لأنه لا يوجد في نفس الواحد منهم عرق ينبض في التألم لمصائب الاسلام وأهله فمن كان يرى أن ماله أفضل من دينه في الوجدان والعمل وهواه أرجح من رضوان اللّه فهو كافر حقيقة وإن سمى نفسه مؤمنا فما إيمانه إلا كايمان من نزل فيهم ( 2 : 8 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) فهناك يحكى عنهم دعوى الايمان ويحكم عليهم بعدمه لأن عملهم لا يشهد لايمانهم وههنا يعبر عنهم بالكافرين ومن المستبعد أن يطلق اللّه تعالى هذين الوصفين على من كان للايمان في قلبه بقية تبعثه على الانفاق في سبيله إيثارا لرضوانه وخشيته على الشهوات والحظوظ الباطلة وترجيحا على حب المال . وأزيد على هذه المعاني المتعلقة بجوهر الدين وما به النجاة في الآخرة التنبيه إلى العبرة بشقاء الدنيا الذي يترتب على ترك الانفاق وأقول ما ذا يبلغ وزن إيمان هؤلاء إذا وضع في ميزان القرآن وقو بل بمثل قوله في خطاب المؤمنين بعد الامتنان عليهم بأنه لم يسألهم إنفاق جميع أموالهم منذرا إياهم بأن البخل قاض اهلاكهم واستبدال قوم آخرين بهم ( 47 : 27 ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي