الشيخ محمد رشيد رضا

23

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ . وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ ، وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ) * * * ( 255 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ . لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ، وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ بعد أن أمرنا تعالى بالانفاق في سبيله قبل أن يأتي يوم لا مال فيه ولا كسب ، ولا ينجى من عقابه فيه شفاعة ولا فداء . انتقل كدأب القرآن إلى تقرير أصول التوحيد والتنزيه التي تشعر متدبرها بعظيم سلطانه تعالى ووجوب الشكر له والاذعان لأمره والوقوف عند حدوده وبذل المال في سبيله وتحول بينه وبين الغرور والاتكال على الشفاعات والمكفرات التي جرأت الناس على نبذ كتاب اللّه وراء ظهورهم فقال * * * اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فسر الجلال الاله بالمعبود بحق والحي بالدائم البقاء والقيوم بالمبالغ بالقيام بتدبير خلقه وقد استحسن الأستاذ الامام قوله في تفسير كلمة التوحيد وقال إن تفسيره لكلمة « إِلهَ » هو الشائع وهو إنما يصح إذا حملنا العبادة على معناها الحقيقي وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبى لا تحيط به علما ، ولا تعرف له كنها ، فهذا هو معنى التأليه في نفسه وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي بالاستقلال أو بالتبع لاله آخر أقوى منه سلطانا . ومن ثم تعددت الآلهة المنتحلة وكل تعظيم واحترام ودعاء ونداء يصدر عن هذا الاعتقاد فهو عبادة حقيقية وإن كان المعبود غير إله حقيقة ، أي ليس له هذا السلطان الذي اعتقده العابد له ، لا بالذات ولا بالتوسط إلى ما هو أعظم منه . فالاله الحق هو الذي يعبد بحق وهو واحد والآلهة التي تعبد بغير حق كثيرة جدا . وهي غير آلهة في الحقيقة ولكن في الدعوى الباطلة التي يثيرها الوهم . ذلك أن الانسان إذا رأى أو سمع أو توهم أن شيئا غريبا