الشيخ محمد رشيد رضا

82

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بأن اللّه تعالى قال كذا أو جرت سنة نبيه على كذا ، فإن لم يكن عند المسؤول فيه هدي من كتاب أو سنة ذكر ما جرى عليه الصالحون وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدي أو أحال على غيره ولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الاحكام واستخراج الفروع من أصولها - ومنهم الأئمة الأربعة - كانوا يذكرون الحكم بدليله على هذا النمط ، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين ( عليهم الرضوان ) على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين ما لم يعرف دليله ويقتنع به . ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى . ثم خلف خلف اعرق منهم في التقليد فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب أو السنة ، وعدوا من يحاول فهمهما والعمل بهما زائغا . وهذا غاية الخذلان وعداوة الدين ، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادا من دون اللّه ، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر اللّه قال الأستاذ الامام في الدرس : انه نقل عن الأئمة الأربعة رضي اللّه عنهم النهي عن الاخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم ، والامر بترك أقوالهم لكتاب اللّه أو سنة رسوله إذا ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما أهو قد سبق لنا في المنار إيراد كثير من هذه النصوص عنهم معزوة إلى كتبها ورواتها . ومن ذلك قول الفقيه الحنفي أبي الليث السمرقندي : حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبي حنيفة أنه قال : لا يحل لاحد ان يأخذ بقولنا ما لم يعلم من اين قلناه . وروي عن عصام بن يوسف انه قيل له : انك تكثر الخلاف لأبي حنيفة . فقال إن أبا حنيفة قد أوتي ما لم نؤت فأدرك فهمه ما لم ندركه ، ونحن لم نؤت من الفهم الا ما أوتينا ، ولا يسعنا ان نفتي بقوله ما لم نفهم من اين قال . وروي عن عصام بن يوسف أنه قال : كنت في مأتم فاجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة : زفر بن الهزيل وأبو يوسف وعافية بن يزيد وآخر فكلهم أجمعوا على أنه : لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين قلناه . وفي روضة العلماء : قيل لأبي حنيفة إذا قلت قولا وكتاب اللّه يخالفه ؟ قال : اتركوا قولي لكتاب اللّه . فقيل إذا كان خبر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يخالفه ؟ فقال : اتركوا