الشيخ محمد رشيد رضا
77
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
به . ولماذا ؟ لان فلانا قال - فقول رجل من رجال كثيرين جدا نجهل تاريخ أكثرهم يكفي لترك السنة الصحيحة وإن ظهر أن المصلحة فيما جاءت به السنة ، وبهذا قطعت الصلة بين ما نحن فيه وبين أصل الدين وينبوعه ونحن لا نطعن في أولئك القائلين أو المرجحين ، سواء منهم من كان تاريخه معروفا لنا ومن كان غير معروف ، بل نحسن فيهم الظن ونقول : انهم قالوا بما وصل اليه علمهم ، ولم يجعلوا أنفسهم شارعين بل باحثين ، وإنا نسترشد بكلامهم على أنهم دالون ومبينون ، لا على أنهم شارعون ، بل نقول إنه يجب على ذي الدين أن ينظر دائما إلى كتابه حتى لا يختلط ولا يشتبه عليه شيء من أحكامه ، ولا يجوز لاحد أن يرجع في شيء من عقائده وعبادته إلا إلى اللّه تعالى ، فان كانت هناك واسطة فهي واسطة الدلالة والتبليغ والتبيين لما نزل اللّه ، وتطبيقه على ما نزل لأجله من حياة الروح والكمال الانساني فيجب علينا أن نعتقد بان الحكم للّه تعالى وحده لا يؤخذ الدين عن غيره ، كما يجب علينا أن نعتقد بان لا فعل لغيره تعالى ، فلا نطلب شيئا إلا منه ، وطلبنا منه يكون بالاخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها ، فان جهلنا أو عجزنا فإننا نلجأ إلى قدرته ، ونستمد عنايته وحده ، وبهذا نكون موحدين مخلصين له الدين كما أمرنا في كتابه المبين ، ومن خرج عن هذا كان من متخذي الأنداد ( وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ) * وبقي صنف آخر يشبه أن يكون من الأنداد وهم العامة ، والذين اتخذوهم أندادا هم علماء الدنيا فإنهم يحلون لمرضاتهم ويحرمون ويخالفون النصوص الصريحة بضروب سخيفة من التأويل لموافقة أهوائهم ، فإن لم يفتوهم بخلاف النص التماسا لخيرهم أو هربا من سخطهم كتموا حكم اللّه من أجل ذلك ، فترى أحدهم إذا سئل : أهذا حق أم باطل وحلال أم حرام ؟ يغض من صوته بالجواب ، ولا يجهر بالقول مداراة للعوام ، إذا كان الجواب على غير ما هم عليه ، ولا سيما إذا كان هؤلاء العامة من الأغنياء وأصحاب السلطة . ونقول : مداراة للعوام . حكاية لقولهم إذ يسمون النفاق والمحاباة في الدين مداراة لما كانت المداراة محمودة ، وكذلك