الشيخ محمد رشيد رضا

78

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كان الذين يكتمون ما أنزل اللّه من البينات والهدى ممن قبلهم يسمون كتمانهم ما سماء محمودة ، ولكن اللّه تعالى لعنهم على ذلك وسجل لهم الكفر والفسوق والعصيان . فهل يختلف حكمه فيرضى لهؤلاء بأن يؤثروا العامة على ربهم ويجعلونهم أندادا له يحبونهم كحبه أو أشد ؟ ترى العالم من هؤلاء ينتسب إلى الشرع ويحترم لأجله وهو مع ذلك يتبع هوى من لا يعرف الشرع ، فهو من الذين إذا أوذوا في اللّه جعلوا فتنة الناس كعذاب اللّه ، فلا يتخذون اللّه وليا ولا نصيرا . فهل يكون المرء مؤمنا إذا كان يترك دينه لأجل الناس ؟ أم شرط الايمان أن يصبر في سبيله على ايذاء الناس ؟ ( أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) الخ كلا ان هؤلاء المتبوعين والتابعين بعضهم فتنة لبعض وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبرنا تعالى في قوله : * * * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا التبرؤ المبالغة في البراءة وهي التفصي ممن يكره قربه وجواره تنزها عنه . و « إذ » ظرف متعلق ب ( يَرَوْنَ الْعَذابَ ) في الآية السابقة ، والكلام متصل لاحقه بسابقة في موضوع اتخاذ الأنداد . وقد نطقت الآية السابقة أن عذاب اللّه تعالى سيحل بمتخذي الأنداد من دونه ، وهو عام في التابع في الاتخاذ والمتبوع فيه ، وفي أنواع الاتباع المذموم من التشريع بالرأي والهوى والتقليد فيه وغير ذلك من الضلال . وبين في هاتين الآيتين تفصيل حال التابعين والمتبوعين في ذلك ، وأورده بصيغة الماضي تمثيلا لحال الفريقين في ذلك اليوم الذي ينكشف فيه الغطاء ويرى الناس فيه العذاب بأعينهم ، ويعرفون أسبابه من تأثير العقائد الباطلة والاعمال السيئة في أنفسهم ، كأن الامر قد وقع ، والبلاء قد نزل ، ورأى الرؤساء المضلون الذين اتّبعوا أن إغواءهم للناس الذين اتّبعوا رأيهم ، وقلدوهم دينهم ، قد ضاعف عذابهم ، وحملهم مثل أوزار الذين أضلوهم فوق أوزارهم ، فتبرؤا منهم ، وتنصلوا من ضلالتهم وَرَأَوُا الْعَذابَ أي والحال انهم قد رأوا العذاب الذي هو جزاؤهم ماثلا لهم يوم الحساب فأنى