الشيخ محمد رشيد رضا
41
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في الايمان بأنهم من خلق اللّه وملك اللّه وإلى اللّه يرجعون ، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء ، ولا يفعل إلا ما سبقت به الحكمة ، وارتضاه النظام الإلهي المعبر عنه بالسنة . بحيث ينطلق اللسان بالكلمة بدافع الشعور بهذا المعنى وتمكنه من النفس ، فأصحاب هذا الاعتقاد والشعورهم الجديرون بالصبر إيمانا وتسليما بحيث لا يملك الجزع نفوسهم ولا تقعد المصائب هممهم ، بل تزيدهم ثباتا ومثابرة فيكونون هم الفائزين ولا ينافي الصبر والتثبت ما يكون من حزن الانسان عند نزول المصيبة بل ذلك من الرحمة ورقة القلب ، ولو فقد الانسان هذه الرحمة لكان قاسيا لا يرجى خيره ولا يؤمن شره ، وإنما الجزع المذموم هو الذي يحمل صاحبه على ترك الأعمال المشروعة لأجل المصيبة ، والأخذ بعادات وأعمال مذمومة ضارة ينهى عنها الشرع ، ويستقبحها العقل ، كما نشاهد من جماهير الناس في المصائب والنوائب وقد ورد في الصحيحين ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكى عندما حضر ولده إبراهيم عليه السّلام الموت وقيل له : أليس قد نهيتنا عن ذلك ؟ فأخبر أنها الرحمة وقال « ان العين تدمع ، والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون » رواه الشيخان من حديث أنس وفائدة الاخبار بالبلاء قبل وقوعه توطين النفس عليه واستعدادها لتحمله والاستفادة منه « ما من دهي بالامر كالمعتد » هذا إن لم يقترن بالخبر إرشاد وتعليم ، فكيف إذا اقترنت به هداية العزيز العليم ؟ ذكر البلاء وبشر الصابرين عليه وذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة وختم القول ببيان الجزاء المبشر به بالاجمال فقال * * * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ أي أولئك الصابرون المحتسبون عليهم من ربهم الرؤوف الرحيم ما يحول دون تبريح المصائب بهم من أنواع صلواته العامة ورحمته الخاصة ، فأما الصلوات فالمراد بها أنواع التكريم والنجاح ، وإعلاء المنزلة عند اللّه والناس ، وعن ابن عباس انها المغفرة لذنوبهم . وأما الرحمة فهي ما يكون لهم في نفس المصيبة من حسن العزاء ، ويرد الرضى والتسليم للقضاء . فهي رحمة خاصة يحسد الملحدون عليها المؤمنين ، فان الكافر المحروم من هذه الرحمة في المصيبة تضيق عليه الدنيا بما رحبت ، حتى أنه ليبخع نفسه إذا لم يعدله رجاء في الأسباب التي يعرفها وينتحر بيده ويكون من الهالكين