الشيخ محمد رشيد رضا

42

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ أي إلى ما ينبغي عمله في أوقات المصائب والشدائد إذ لا يستحوذ الجزع على نفوسهم ، ولا يذهب البلاء بالامل من قلوبهم ، فيكونون هم الفائزين بخير الدنيا والراحة فيها ، المستعدين لسعادة الآخرة بعلو النفس وتزكيتها بمكام الاخلاق وصالح الاعمال ، دون أهل الجزع وضعف الايمان ، كما يدل عليه الجملة الاسمية المعرفة الطرفين المؤكدة بضمير الفصل * * * ( 158 ) إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ * * * علم مما تقدم ان مسألة تحويل القبلة جاءت في معرض الكلام عن معاندة المشركين وأهل الكتاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكان التحويل شبهة من شبهاتهم وتقدم أن من لوازم حكم تحويل القبلة إلى البيت الحرام ، توجيه قلوب المؤمنين إلى الاستيلاء عليه - كما يوجهون اليه وجوههم - لأجل تطهيره من الشرك والآثام ، كما عهد اللّه إلى أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السّلام ، والا كانوا راضين باستقبال الأصنام ، وأن في طي ( ولأتم نعمتي عليكم ) بشارة بهذا الاستيلاء ، مفيدة للأمل والرجا ، وقد علم اللّه المؤمنين بعد هذه البشارة ما يستعينون به على الوصول إليها هي وسائر مقاصد الدين من الصبر والصلاة وأشعرهم بملا يلاقون في سبيل الحق من المصائب والشدائد ، فكان من المناسب بعد هذا أن يذكر شيئا يؤكد تلك البشار : ويقوي ذلك الامل فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة . فكان ذكرها تصريحا ضمنيا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها ، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية ، وهو قوله عز وجل إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فهذه الآية ليست منقطعة عن السياق السابق لإفادة حكم جديد لا علاقة له بما قبله كما توهم بل هي من تتمة الموضوع ومرتبطة به أشد الارتباط ، من حيث هي