الشيخ محمد رشيد رضا

37

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخاشعين ؟ انما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافلين ، وتنبيه الذاهلين ، ودافعا يدفع المصلي إلى ذلك التوجه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة اللّه وسلطانه حتى يستسهل في سبيله كل صعب ، ويستخف بكل كرب ، ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء ، ومقاومة كل عناء ، فإنه لا يتصور شيئا يعترض في سبيله إلا ويرى سيده ومولاه أكبر منه ، فهو لا يزال يقول : اللّه أكبر . حتى لا يبقى في نفسه شيء كبير ، إلا ما كان مرضيا للّه العلي الكبير ، الذي يلجأ اليه في الحوادث ، ويفزع اليه عند الكوارث ثم قال إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ولم يقل معكم ليفيد أن معونته انما تمدهم إذا صار الصبر وصفا لازما لهم ، وقالوا إن المعية هنا معية المعونة . فالصابرون موعودون من اللّه تعالى بالمعونة والظفر ، ومن كان اللّه معينه وناصره فلا يغلبه شيء . وقال الأستاذ الامام : ان من سنة اللّه تعالى ان الاعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار ، وهذا إنما يكون بالصبر ، فمن صبر فهو على سنة اللّه واللّه معه بما جعل هذا الصبر سببا للظفر ، لأنه يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح ، ومن لم يصبر فليس اللّه معه ، لأنه تنكب سنته ، ولن يثبت فيبلغ غايته علم اللّه تعالى ما سيلاقيه المؤمنون في الدعوة إلى دينه وتقريره وإقامته من المقاومات وتثبيط الهمم ، وما يقوله لهم الناس في ذلك وما يقول الضعفاء في أنفسهم : كيف تبذل هذه النفوس وتستهدف للقتل بمخالفة الأمم كلها ؟ وما الغاية من قتل الانسان نفسه لأجل تعزيز رجل في دعوته ؟ وغير ذلك مما كانوا يسمعونه من المنافقين والكافرين ، وربما أثر في نفوس بعض الضعفاء فاستبطؤا النصر ، فعلمهم اللّه سبحانه وتعالى ما يستعينون به على مجاهدة الخواطر والهواجس ، ومقاومة الشبهات والوساوس ، فأمر أولا بالاستعانة بالصبر والصلاة ثم ذكر أعظم شيء يستعان عليه بذلك وهو القتل في سبيل دعوة الحق وحمايته - ذكره مدرجا في سياق تقرير حقيقة ودفع شبهة * * * فقال وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ أي لا تقولوا في شأنهم : هم أموات . وقالوا إن اللام في « لمن »