الشيخ محمد رشيد رضا
38
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
للتعليل لا للتبليغ والمعنى ظاهر والتركيب مألوف بَلْ هم أَحْياءٌ في عالم غير عالمكم وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ بحياتهم إذ ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر ثم لا بد أن تكون هذه الحياة حياة خاصة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم ، ولذلك ذهب بعض الناس إلى أن حياة الشهداء تتعلق بهذه الأجساد وإن فنيت أو احترقت أو أكلتها السباع أو الحيتان وقالوا إنها حياة لا نعرفها ، ونحن نقول مثلهم اننا لا نعرفها ونزيد اننا لا نثبت ما لا نعرف . وقال بعضهم انها حياة يجعل اللّه بها الروح في جسم آخر يتمتع به ويرزق . ورووا في هذا روايات منها الحديث الذي أشار اليه المفسر ( الجلال ) وهو « ان أرواح الشهداء عند اللّه في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة » « * » وقيل إنها حياة الذكر الحسن والثناء بعد الموت . وقيل إن المراد بالموت والحياة الضلال والهدى . روي هذا عن الأصم أي لا تقولوا ان باذل روحه في سبيل اللّه ضال بل هو مهتد . وقيل إنها حياة روحانية محضة . وقيل إن المراد أنهم سيحيون في الآخرة وان الموت ليس عدما محضا كما يزعم بعض المشركين . فالآية عند هؤلاء على حد ( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) أي ان مصيرهم إلى ذلك قال الأستاذ الامام بعد ذكر الخلاف : وقال بعض العلماء الباحثين في الروح ان الروح إنما تقوم بجسم لطيف « أثيري » في صورة هذا الجسم المركب الذي يكون عليه الانسان في الدنيا وبواسطة ذلك الجسم الأثيري تجول الروح في هذا الجسم
--> ( * ) في الحديث شيء من الاضطراب ففي رواية مسلم والترمذي من حديث ابن مسعود انها « في حواصل طيور خضر تسرح من أنهار الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش » الخ . وفي رواية عبد الرزاق من حديث عبد اللّه بن كعب بن مالك « ان أرواح الشهداء في صور طيور خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها اللّه يوم القيامة » فهذا يدل على أنها محبوسة في مكان خاص والأول يفيد انها مطلقة تسرح حيث تشاء ثم إن لها مأوى تاوي اليه حين تشاء . وفي رواية مالك وأصحاب السنن ما عدا أبا داود انها في أجواف طيور خضر تعلف من ثمر الجنة أو شجر الجنة . كذا في بعض التفاسير وهناك روايات أخرى