الشيخ محمد رشيد رضا

36

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من الجزع الذي هو ضد الصبر بقوله ( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) الخ وقد جعل ذكره مع الثبات في البأساء في قرآن إذ قال ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) وقد قرن في الآية التي نفسرها الصلاة بالصبر وجعل الامرين معا ذريعة الاستعانة على ما يلاقي المؤمنون في طريق الحق من الشدائد ولو كان هؤلاء الأدعياء مصلين لكانوا من الصابرين ، وإنما تلك حركات تعودوها فهم يكررونها ساهين عنها ، أو يقصدون بها قلوب الناس يبتغون عندها المكانة الرفيعة بالدين ، لما يترتب على ذلك من المنافع والفوائد الدنيوية التي لا يعقلون سواها . فيجب على كل مؤمن أن يعود نفسه احتمال المكاره ، ويحاول تحصيل ملكة الصبر عندما تعرض له أسبابه ، فمن لم يستعن على عمله بالصبر ، لا يتم له أمر ، ولا يثبت على عمل ، ولا سيما الاعمال العظيمة كتربية الأمم والانتقال بها من حال إلى حال ، لذلك ترى كثيرين يشرعون في الاعمال العظيمة فيعوزهم الصبر فيقفون عند الخطوة الثانية . ومن يزعم أنه عاجز عن تحصيل هذه الملكة فهو خائن لنفسه جاهل بما أودع اللّه فيه من الاستعداد ، فهو باحتقاره لنفسه محتقر نعمة اللّه تعالى عليه ، وهو بهذا الاحساس بالعجز قد سجل على نفسه الحرمان من جميع الفضائل وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصبر على تأييد الحق والقيام بأعبائه ظاهر جلي وأما الحاجة إلى الاستعانة بالصلاة فوجهها محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون . تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلى اللّه تعالى ومناجاته وحضور القلب معه سبحانه واستغراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه . تلك الصلاة التي قال فيها جل ذكره ( وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) وقال فيها ( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) وليست هي الصورة المعهودة من القيام والركوع والسجود والتلاوة باللسان خاصة ، التي يسهل على كل صبي مميز أن يتعودها ، والتي نشاهد من المعتادين لها الاصرار على الفواحش والمنكرات ، واجتراح الآثام والسيئات ، وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتى يصفها رب العزة والجلال بالكبر إلا على