الشيخ محمد رشيد رضا
32
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أَذْكُرْكُمْ بادامتها وتمكينها والزيادة عليها من النصر والسلطان وغير ذلك من أسباب السعادة - واذكروني بألسنتكم باسمائي الحسنى ، والتحدث بنعمي التي لا تحصى ، والثناء علي بها سرا وجهرا ، أذكركم في الملأ الاعلى برضائي عنكم وقربي منكم . ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « يقول اللّه عز وجل : انا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن تقرب إلي شبرا تقربت اليه ذراعا » الخ الحديث . وقال الأستاذ الامام : هذه الكلمة من اللّه تعالى كبيرة جدا كأنه يقول انني أعاملكم بما تعاملونني به ، وهو الرب ونحن العبيد ، وهو الغني عنا ونحن الفقراء اليه . أي وهذه أفضل تربية من اللّه تعالى لعباده : إذا ذكروه ذكرهم بإدامة النعمة والفضل ، وإذا نسوه نسيهم وعاقبهم بمقتضى العدل ثم بعد أن علمهم ما يحفظ النعم أرشدهم إلى ما يوجب المزيد بمقتضى الجود والكرم فقال : وَاشْكُرُوا لِي هذه النعم بالعمل بها وتوجيهها إلى ما وجدت لأجله وَلا تَكْفُرُونِ أي لا تكفروا نعمي باهمالها أو صرفها إلى غير ما وجدت لأجله بحسب الشرع والسنن الإلهية . وهذا تحذير لهذه الأمة مما وقعت فيه الأمم السالفة إذ كفرت بنعم اللّه تعالى فحولت الدين عن قطبه الذي يدور عليه وهو الاخلاص وإسلام الوجه للّه وحده والعمل الصالح المصلح للافراد والاجتماع ، وعطلت ما أعطاها اللّه من مواهب المشاعر والعقل والملك فلم تستعملها فيما خلقت له ، وهكذا انحرفوا بكل شيء عن أصله ، فسلبهم اللّه ما كان وهبهم تأديبا لهم ولغيرهم ، ثم رحمهم بأن أرسل إليهم خاتم النبيين بهداية عامة تعرفهم وجه تلك العقوبات الإلهية وتحذرهم العود إلى أسبابها ، وقد امتثل المسلمون هذه الأوامر زمنا قصيرا فسعدوا ، ثم تركوها بالتدريج فحل بهم ما نرى كما قال ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) فإذا عادوا عاد اللّه عليهم بما كان أعطى سلفهم والا كانوا من الهالكين