الشيخ محمد رشيد رضا

337

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأول نشأته ، ثم بعد ان تعتز الملة وتكثر الأمة ، ويصير يكفي لحفظ مصلحتها ما يبذله كل ذي غنى من بعض ماله ، ويفرغ الجمهور للأعمال الخاصة بحيث يتمكن ذو العمل أن يفيض من كسبه على أهله وولده ، بعد أن كان مستغرقا في السعي لتعزيز دينه ووقايته من المحو والزوال ، بعد هذا كله تختلف الحال فلا يسهل على كل واحد أن يؤثر كل محتاج على نفسه وأهله وولده ، ولذلك توجهت النفوس بعد استقرار الاسلام إلى تقييد تلك الاطلاقات في الانفاق ، فسألوا ما ذا ينفقون ؟ فأجيبوا بأن ينفقوا العفو وهو الفضل والزيادة عن الحاجة ، وعليه الأكثر ، وقال بعضهم إن العفو نقيض الجهد أي ينفقون ما سهل عليهم وتيسر لهم مما يكون فاضلا عن حاجتهم وحاجة من يعولون . قرأ أبو عمرو ( العفو ) بالرفع والباقون بالنصب والاعراب ظاهر ، والزيادة أمر مجمل يحتاج إلى بيان ، فهل المراد حاجة اليوم أو الشهر أو السنة ؟ رجح بعضهم الأخير لان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ادخر لأهله قوت سنة ، وقال الأستاذ الامام إن القرآن أطلق العفو ليقدره كل قوم في كل عصر بحسب ما يليق بحالهم ، لأنه خطاب عام ليس خاصا بأهل جزيرة العرب ، ولا بحال الناس في زمن البعثة . والمراد بهذا الانفاق ما وراء الزكاة المفروضة المحدودة كصدقة التطوع على الافراد وعلى المصالح العامة ، وان كان لفظ العفو يصدق على الزكاة لأنها لا تكون إلا من الزائد على الحاجة الذي لا جهد ولا مشقه فيه . وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ما يؤيد هذا فقد أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « خير الصدقة ما كان عن ظهر غني وابدأ بمن تعول » واخرج ابن خزيمة من حديثه أيضا ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « خير الصدقة ما أبقت غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول ، تقول المرأة انفق عليّ أو طلقني ، ويقول مملوكك أنفق عليّ أو بعني ، ويقول ولدك إلى من تكلني » وقد نوه الأستاذ الامام في هذا المقام بالانفاق في حفظ مصالح الأمة واعمالها « تفسير المنار » « 43 » « الجزء الثاني »