الشيخ محمد رشيد رضا

338

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخيرية فقال ما مثاله : ان الأمة المؤلفة من مليون واحد إذا كانت تبذل من فضل مالها في مصالحها العامة كاعداد القوه وتربية النابتة على ما يؤهلها لاستعمالها ويقرر الفضيلة في أنفسها تكون أعز وأقوى من أمة مؤلعة من مئة مليون لا يبذلون شيئا من فضول أموالهم في مثل ذلك : ذلك بأن الواحد من الأمة الأولى يعد بأمة لأن أمته عون له تعده جزءا منها ويعدها كلّا له ، والأمة الثانية كلها لا تعد بواحد لأن كل جزء من أجزائها ( أي أفرادها ) يخذل الاخر ويرى أن حياته بموته فيكون كل واحد منها في حكم الميت . وفي الحقيقة أن مثل هذا الجمع لا يسمى أمة لأن كل واحد من أفراده يعيش وحده وإن كان في جانبه أهل الأرض ، فهو لا يتصل بمن معه ليمدهم ويستمد منهم ، ويتعاون الجميع على حفظ الوحدة الجامعة لهم التي تحقق معني الأمة فيهم . وانه لم تنهض أمة ولا ملة الا بمئل هذا التعاون ، وهو مساعدة الغني للفقير ، وإعانة القوي للضعيف ، وبذل المال والعناية في حفظ المصلحة العامة . بهذا ظهر القليل على الكثير وكانت لهم السيادة ، وبترك هذا انحلت الأمم الكبيرة ، وفقدت الملك والسعادة قال الأستاذ الامام : ان النكتة في الجمع بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الانفاق في آية واحدة هي المقارنة بين حال فريقين من الناس : فريق ينفق المال بغير حساب في سبيل الاثم ، إما للتفاخر والتباهي فيما لا فخر فيه ولا شرف في الحقيقة ، وإما لمجرد اللذة وان ساءت عواقبها ، وفريق ينفقه في سبيل اللّه يزيل به ضرورة اخوانه المساكين والضعفاء ، ويرفع به من شأن أمته بما بجعله للمصالح العامة واعمال الخير ، وأعظم المصالح والاعمال في هذا العصر هو التعليم والتربية ، ولو بذل المصريون عشر ما ينفقون في الخمر والميسر - ولا سيما ما يسمونه المضاربة - على التعليم لتيسر لهم تعميم المدارس في بلادهم ، وتوجيه التعليم فيها لي ما يجدد ملتهم ، ويعيد إليهم ما فقدوا من كرامتهم وقوله تعالى كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ * معناه : مثل هذا النحو وعلى هذه الطريقة من البيان قد قضت حكمة اللّه بأن يبين لكم آياته في الاحكام