الشيخ محمد رشيد رضا

332

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يخسرون وهم الأكثرون ، لان أكثر ربح القمار في هذا العصر يغتاله الذين يديرون اعماله ومنها أن يصير الفقير غنيا من غير تعب ولا نصب ، ولكن هذا من أشد ضرره في الأمة أو أشده كما تقدم . وزعم بعض الناس ان المنافع التي كانت في الخمر والميسر قد سلبها اللّه تعالى منهما بعد التحريم وهو قول غير معقول ولا دليل عليه ، بل الحس ينبذه ولا حاجة اليه في التنفير عن الجريمتين بعد ما بين اللّه تعالى الأصل في التنفير بقوله وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وهذا القول إرشاد للمؤمنين إلى طريق الاستدلال فكان عليهم أن يهتدوا منه إلى القاعدتين اللتين تقررتا بعد في الاسلام : قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وقاعدة ترجيح ارتكاب أخف الضررين إذا كان لا بد من أحدهما ، ولكن لم يهتد إلى ذلك جميعهم ، إذ ورد أن بعضهم ترك الخمر عند نزول الآية وبعضهم لم يترك كما تقدم . هذا ما كنت كتبته ونشرته في تفسير الآية في المرة الأولى ، ثم فطنت بعد ذلك إلى قاعدة عظيمة من قواعد التشريع الاسلامي بينتها في المنار وفي التفسير واستدللت عليها بهذه الآية ، وهي أن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يجعل تشريعا عاما تطالب به كل الأمة ، وانما يعمل فيه كل أحد باجتهاده فمن فهم منه الدلالة على تحريم شيء امتنع منه ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الإباحة . ودلالة هذه الآية على تحريم الخمر والميسر ظنية ولذلك عمل فيها الصحابة باجتهادهم على اختلافهم فيه وأقرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك وبقي عمر ابن الخطاب يدعو اللّه أن يبين للأمة في الخمر بيانا شافيا حتى نزلت آية سورة المائدة كما تقدم آنفا فترك جميع الصحابة الخمر والميسر لان دلالتها قطعية لأمراء فيها ، ولا سيما قوله تعالى ( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) لأنه استفهام بمعنى النهي المؤكد وأما كون إثم هاتين الفعلتين أي ضررهما أكبر من نفعهما مع إثبات المنافع لهما فلا يدل على ذلك دلالة قطعية ومضرة الخمر لا يجهلها أحد ولذلك كان في الجاهلية من حرمها على نفسه ومنهم العباس بن مرداس قيل له في الجاهلية ألا تشرب الخمر فإنها تزيد في حرارتك فقال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد القوم وأمسي سفيههم