الشيخ محمد رشيد رضا

333

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأطباء الإفرنج وعلماؤهم مجمعون على أن ضرر الخمر - وكذلك الميسر بالأولى - أكبر من نفعها وقد الفت جمعيات في أوروبا وأمريكا للسعي في ابطال المسكرات ، فهم يتعاهدون على عدم الشرب ، وعلى الدعوة إلى ذلك ، والسعي لدى الحكومات بالتشديد على بائعي الخمور « 1 » فالأيام والأجيال كلما تقدمت وارتقت تؤيد قول القرآن بأن إثم الخمر والميسر أكبر من نفعهما ، فان أطباء هذا العصر يصفون من مضرات الخمر ما لم يكن معروفا عند الأطباء المتقدمين وهو ما أطلقه اللّه تعالى لعباده ليبحثوا فيه ويتبينوا صدقه بأنفسهم لتكون عقولهم مؤيدة لكتابه بوجوب اجتنابه ولكن لدينا من أهل الذكاء والفطنة وأدعياء العلم والمدنية من استعبدهم سلطان اللذة فصرفهم عن النظر والبحث في هذه المضرات ، كما صرفهم عن هداية الدين ، وصرف آباءهم عن تربيتهم عليه ، فاسرفوا في معاقرة الخمر حتى غيض معين حياة بعض الشبان ، وانكسفت شموس عقول آخرين قبل الاكتهال ، فحرموا من سعادة الحياة ، وحزمت بيوتهم وأمتهم مما كانت ترجوه من ذكائهم واستعدادهم ، بدت فتنة السكر في طائفة من الكبراء والمتعلمين ، وصارت تعد من علامات المتفرنجين الذين يسمون المتمدنين ، وسرت عدواها إلى غيرهم من المقلدين ، حتى قلد فيها شيوخ القرى وعمد البلاد فكانوا شر قدوة للفلاحين والعمال والاجراء ، وعم خطر هذه الآفة التي تتبعها آفة الزنا حيث سارت ، ويتبع الزنا داء الزهري الذي هو من أسباب انقطاع النسل ، فأية منفعة توازي هذه الآفات القاتلة والجوائح المصطلمة ؟

--> ( 1 ) بعد أن كتبنا هذا بسنين حرمت حكومة الولايات المتحدة الامريكائية جميع الخمور عصرا وشربا وبيعا بقانون صدر ولكن أنصارها من الوارثين لتأثير السكر ومن تجارها عادوا في هذا العام الذي نعيد فيه طبع هذا الجزء من التفسير ( 1352 ه 1533 م ) يطالبون حكومتهم بابطال قانون الحظر بقيد أو بلا قيد حتى أوشكت تستجيب لهم لكثرتهم