الشيخ محمد رشيد رضا

331

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يعدون ترك المماكسة فيها مكرمة وفضيلة فيكثر ربح مجتلبها وبائعها ، ومنها أنها قد تكون علاجا لبعض الأمراض ككثير من السموم والنبات الضار بالمزاج المعتدل ولكن الدواء يؤخذ بمقدار قليل قد يعينه الطبيب بالنقط فإذا زاد كان شديد الضرر كسائر الأدوية ولا سيما السامة منها ، فالتداوي بالخمر لا يتفق مع شربها للنشوة واللذة « 1 » ومنها أنها تسلي الحزين على أن ما يكون بعدها من رد الفعل يزيد في الحزن والكآبة . ومنها أنها تسخي البخيل ولكن هذا السخاء قد صار ضررا كله لأنه يذهب بثروة البلاد فيضعها في أيدي شرار الأجانب ، وقد كان في الجاهلية نافعا لان الرجل كان يبذل ماله في قومه . ومنها أنها تثير النخوة وتشجع الجبان وربما كان هذا أعظم منافعها عند العرب في الجاهلية ، وهو من أكبر مضراتها في هذا الزمان ومثل هذه البلاد ، لأن هذه الحمية هي السبب فيما يكون بين السكارى من التنازع والتخاصم والاعتداء . ولا حاجة إليها في الحرب الآن بل هي ضارة فيها لان الحرب صارت صناعة دقيقة وفنا من العلم لا بد فيها من حضور العقل وجودة النظر قرب غلطة من قائد تذهب بجيشه وتظفر به عدوه . فالضباط مدبرون والجنود آلات عاقلة في أيديهم لا نجاح لها إلا بالسمع والطاعة مع الفهم ، والسكر قد يحول دون حسن التدبير من الضباط وسرعة الامتثال من الجنود . وقد أنفقت لحكومات التي تبيح الخمر على منعها عن الجيوش في زمن الحرب ويعدون من منافع بعض الخمور القليلة التأثير كالجعة ( البيرة ) التغذية والتحليل ، ويعجبني جواب سؤال في ذلك ذكر في مجلة عربية وهو أن لقمة من الخبز أكثر تغذية من كوب من البيرة ، وان كوبا من الماء أشد تحليلا من كوب منها ، على أنه ليس في الخبز والماء ضرر ما ، ومن الجعة ما لا يسكر كما يقال ومن منافع الميسر مواساة الفقراء كما علمت من عادة العرب التي لا وجود لها الآن ، الا فيما ذكر آنفا من النوع الذي يسمونه ( يانصيب ) لبناء الملاجيء والمستشفيات والمدارس وغير ذلك من البر الذي هو أنفع للفقراء من لحم الجزور الذي كان العرب يخصونهم به ، ومنها سرور الرابح وأريحيته ، ويقابله كدر لذين

--> ( 1 ) تراجع هذه المسألة في تفسير آيات المائدة من الجزء السادس