الشيخ محمد رشيد رضا

329

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأما كون إثم الميسر كبيرا أو كثيرا فقد جاء فيه ما جاء في الخمر من كونه يورث العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة ، وهذا ظاهر في ميسر العرب ، وفي جميع أنواع القمار المعروفة في عصرنا إلا ما يسمونه ( اليانصيب ) فإنه على كونه ميسرا لا شك فيه لا يظهر جميع مفاسده في بعض أنواعه وهذا بيانه : ميسر اليانصيب هو عبارة عن مال كثير تجمعه بعض الحكومات أو الجمعيات أو الشركات من ألوف من الناس كمائة ألف دينار ( جنيه ) مثلا تجعل جزءا كبيرا كعشرة آلاف منه لعدد قليل من دافعي المال كمائة مثلا يقسم بينهم بطريقة الميسر وتأخذ هي الباقي . ذلك بأن تطبع أوراقا صغيرة كأنواط المصارف المالية ( بنك نوت ) تسمى أوراق ( اليانصيب ) تجعل ثمن كل واحدة منها دينارا واحدا مثلا يطبع عليها وتجعل العشرة الآلاف التي تعطى ربحا لمشتري هذه الأوراق مائة سهم أو نصيب تعرف بالأرقام العددية وتسمى النمر ( جمع نمرة ) ويطبع على الورقة المشتراة عددها وما تربحه كل واحدة من العشر الأوائل منها وتجعل باقيها للتسعين الباقية من المائة بالتساوي بترتيب كترتيب أزلام الميسر يسمونه السحب . ذلك بأنهم يتخذون قطعا صغيرة من المعدن ينقش في كل واحدة منها عدد من أرقام الحساب يسمونه نمرة من واحد إلى مائة ألف إذا كان المبيع من الأوراق مائة ألف ، ويضعونها في وعاء من المعدن كري الشكل كخريطة الأزلام ( القداح ) التي بيناها انفافيها ثقبة كلما أديرت مرة خرج منها نمرة من تلك النمر ، فإذا كان يوم السحب أديرت بعدد الأرقام الرابحة فما خرج منها أولا سمي النمرة الأولى مهما يكن عددها وهي التي يعطى حاملها النصيب الأكبر من الربح كالقدح المعلى عند العرب ، وما خرج منها ثانيا سمى النمرة الثانية ويعطى حاملها النصيب الذي يلي الأول حتى إذا ما انتهى عدد النمر الرابحة وقف السحب عنده وكان الباقي خاسرا وأما كون هذا النوع لا يظهر فيه ما في سائر الأنواع من ضرر العداوة والبغضاء والصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة فلأن دافعي المال فيه لا يجتمعون عند السحب