الشيخ محمد رشيد رضا

328

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

خسيسة ولذلك سميت الخمر أم الخبائث كما ورد في الحديث فهذه إشارة إلى مضرتها في النفس من حيث الاخلاق والآداب ومن مضراتها المالية أنها تستهلك المال وتفني الثروة كما قال عنترة « فإذا شربت فاني مستهلك مالي » البيت . ولم تكن الخمر مذهبة للثروة في زمن من الأزمنة كزماننا هذا ولا في مكان كهذه البلاد فان أنواع الخمر كثرت فيها ومنها ما هو غالي الثمن جدا ، ثم إن المتجرين بها كثيرا ما يقرنون بينها وبين القيادة إلى الزنا ، وفي مصر القاهرة بيوت للفسق تجمع بين الخمر والنساء والراقصات والمغنيات ، يدخلها الرجال زرافات وافذاذا ، ويتبارون ثم في النفقة حتى ليخسر الرجل في ليلته المئين والألوف . وان الخمار الرومي الفقير ليفتح في إحدى القرى والمزارع من هذه البلاد حانة صغيرة فلا تزال تتسع بما تبتلع من ثروة الأهالي وغلات أرضهم حتى تبتلع القرية كلها فتكون أموالها وغلاتها وقطنها وتجارتها في يد ( الخواحه ) صاحب الحانة . وقد عم البلاء بالخمر هذا القطر بما لأهله من الاستعداد للتقليد حتى قيل إن ما يصرف في مصر على الخمر يعدل ما يصرف في فرنسة كلها ومن مضرات الخمر في الدين من حيث روحه ووجهة العبد إلى اللّه تعالى أن السكران لا تتأتى منه عبادة من العبادات لا سيما الصلاة التي هي عماد الدين ولذلك قال تعالى في آية المائدة بعد ما تقدم آنفا ( وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ ) وسيأتي إيضاح هذا المعنى في تفسير سورة المائدة إن شاء اللّه تعالى . فهذا شيء من البيان لكون إثم الخمر كبيرا بمعنى أن كبره بكبر ضرره أو كونه كثيرا لكثرة أنواعه . وقد يشتبه بعض المبتلين بشرب الخمر في بعض تلك المضرات الصحية أو يتوهمون أنه يسهل عليهم التوقي منها وهيهات هيهات لما يتوهمون فان المزاج الذي يتحمل سم الخمر الدي يسمى الكحول أو الغول زمنا طويلا بحيث يغتر الناس بحسن صحة صاحبه قليل في الناس ، ولكن هؤلاء المبتلين يقيسون على النادر ، ويجهلون الأصل الغالب ، وهو أنه لا يكاد يسلم مدمن السكر من ضرره في جسمه أو عقله ومداركه أو ولده وذريته بل تجتمع كلها في الغالب . وأما المضرات المعنوية فيقل في معتادي السكر من يحفل بها ، على أن منهم من يرى أنه يسهل عليه تجنبها