الشيخ محمد رشيد رضا
31
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ونتيجة ، وههنا ذكر الترتيب بحسب الوجود والوقوع ، وذلك ان أول شيء فعله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو أن دعا الناس إلى الايمان بما تلا عليهم من آيات اللّه تعالى ودلائل توحيده ، وإلى الاعتقاد بإعادة الناس ليوم لا ريب فيه يحاسب فيه كل نفس ويجزيها بعملها وصفاتها ، فأجاب الناس دعوته بالتدريج ، وكل من آمن له كان يقتدي به في أخلاقه وأعماله ، ولم تكن هنالك أحكام ولا شرائع ، ثم شرعت الاحكام بالتدريج ، فالتزكية بالتأسي به عليه الصلاة والسّلام كانت متأخرة عن إقامة الآيات والدلائل على أصول الايمان ، ومقدمة على تلقي الشرائع والتفقه في الاحكام ثم قال تعالى وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ أي ويعلمكم مع الكتاب والحكمة ما لم يسبق لكم به علم من شؤون العالم ونظام البيوت والمعاشرة الزوجية وسياسة الحروب والأمم ، . وقال البيضاوي وغيره : ما لم تكونوا تعلمونه بالنظر والفكر ، إذ لا سبيل لمعرفته سوى الوحي ، وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر اه يعني كاخبار عالم الغيب وسيرة الأنبياء ، وأحوال الأمم التي كانت مجهولة عندكم ، وكثير منها كان مجهولا عند أهل الكتاب أيضا . فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم صحح أغلاطهم ، وبين سقاطهم . وخص هذا بالذكر وان كان مما اشتمل عليه الكتاب اهتماما به ، وتنويها بشأنه ، ولكن تكرار الفعل وعطفه يقتضي أن يكون هذا غير ما قبله قال الأستاذ الامام : ويصح أن يراد ما لم تكونوا تعلمون من شؤون أنفسكم ، والسنن الإلهية الحاكمة فيكم ، وقد بلغوا بتعليمه وارشاده صلّى اللّه عليه وسلّم مبلغا فاقوا فيه سائر الأمم ، أي فالتعليم ليس محصورا في الكتاب بل هناك زيادة أعد اللّه تعالى نبيه لتببينها . والمقابلة بين هذا التعليم وتعليم الكتاب مبنية على أن المراد بالكتاب القرآن وبالآيات الدلائل . وقد تقدم فيه وجه آخر وهو أنه مصدر كتب أي ويعلمكم الكتابة بعد أن كنتم أميين * * * فَاذْكُرُونِي في قلوبكم بما شرعت من أمر القبلة للفوائد الثلاث التي تقدم شرحها ، وبما أتممت عليكم من النعمة بارسال رسول منكم يعلمكم ويزكيكم ، وبكل ما أنعمت عليكم من ثمرات ذلك ، ولا تنسوا أنني أنا المتفضل بإفاضة هذه النعم عليكم