الشيخ محمد رشيد رضا
323
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بتحريمها ولو فوجئوا بالتحريم مع ولوع الكثيرين بها واعتقادهم منفعتها لخشي أن يخالفوا أو يستثقلوا التكليف فكان من حكم اللّه أن رباهم على الاقتناع بأسرار التشريع وفوائده ليأخذوه بقوة وعقل لفظ الخمر منقول من مصدر خمر الشيء بمعنى ستره وغطاه ، يقال خمرت الشيء إذا سترته وخمرت الجارية ألبستها الخمار وهو النصيف الذي تغطي به وجهها وتخمرت هي واختمرت . والوجه في النقل ان هذا الشراب يستر العقل ويغطبه ، أو هو من خامره بمعنى خالطه ، يقال خامره الداء أي خالطه وهو ما صرح به عمر في خطبة له على منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو بمعنى التغير ، يقال خمر الشيء ( كعلم ) إذا تغير عما كان عليه ، والعصير يتغير فيكون خمرا ، أو بمعنى الادراك من خمر العجين ونحوه فاختمر أي بلغ وقت ادراكه وقال ابن الاعرابي انه يقال سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى اختمرت واختمارها تغير رائحتها . وجميع هذه المعاني ظاهرة في هذه الأشربة المسكرة كلها كما قال ابن عبد البر فيصح اطلاق اسم الخمر لغة على كل مسكر وهذا ما ذهب اليه أشهر علماء اللغة كالجوهري وأبو نصر القشيري وأبو حنيفة الدينوري والمجد صاحب القاموس . والظاهر أن هذا الاطلاق حقيقي ولا وجه للعدول عنه الا أن يصح أن العرب كانت تسمي نوعا خاصا من المسكرات خمرا لا تطلق اللفظ على مسكر سواه وهو ما زعمه بعض الناس ، والحنفية على أن الخمر ما اغتصر من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد زاد بعضهم ثم سكن وقيل إذا اشتد فقط . ويرده أن الصحابة وهم صميم العرب فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر ولم يفرقوا بين ما كان من العنب وما كان من غيره ، بل قال أهل الأثر ان الخمر حرمت بالمدينة ولم يكن شرابهم يومئذ الا نبيذ البسر والتمر ، فهو الذي تناوله نص القرآن ابتداء ، وأخرح أبو داود : نزل تحريم الخمر يوم نزل وهو من خمسة من العنب والتمر والحنطة والشعير والذرة والخمر ما خامر العقل : وكأن هذا كل ما كان يعرف ولا شك ان غيره مثله . والأحاديث الصحيحة صريحة في ذلك ومنها حديث الصحيحين وأبي داود والترمذي والنسائي « كل مسكر خمر » وروي بزيادة « وكل خمر حرام » وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والخلفاء يحلدون كل من