الشيخ محمد رشيد رضا
322
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه ، فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا . فنزلت الآية التي في المائدة فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ « فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » قال عمر انتهينا انتهينا . ولا يتوقف فهم معنى الآيات على شيء من هذه الروايات ويظهر من مجموعها أن القطع بتحريم الخمر والنهي عنها كان بعد تمهيد بالذم والنهي عن السكر في حال قرب الصلاة وأوقات الصلوات متقاربة فمن ينهى عن قرب الصلاة وهو سكران فلا بد أن يتجنب السكر في أكثر الأوقات لئلا تحضره الصلاة وهو سكران وهو الذي تدل عليه الجملة الحالية ( وأنتم سكارى ) التي قيد بها النهي كما سنبينه في تفسير الآية من سورة النساء ، وفي هذا من الحكمة في التدريج بالتكليف ما لا يخفى . قال القفال والحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب أن اللّه تعالى علم أن القوم كانوا قد ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم بها كثيرا ، فعلم اللّه انه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم ، فلا جرم استعمل في التحريم هذا التدريج وهذا الرفق : والذي كان يتبادر لولا الروايات ان آية سورة النساء هي التي نزلت أولا فكانوا يمتنعون عن الشرب في أكثر الأوقات لئلا تفوتهم الصلاة ، وأما آية المائدة فلا شك أنها آخر ما نزل لأنها أكدت النهي ، وبينت علة التحريم بالتعيين ، على أن السورة برمتها من آخر السور نزولا « 1 » وقد ذهب بعض الأئمة إلى أن الخمر حرمت بهذه الآية وان ما اتي بعدها فهو من قبيل التوكيد لان لفظ الاثم يفيد المحرم قال تعالى ( 7 : 33 قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) . ولكن ذهب الجمهور إلى أن التحريم كان تدريجا كما تقدم ووجهه الأستاذ الامام بأنه المنقول والمعهود في حكمة التشريع ، وقال إن الاثم هو الضرر ، فتحريم كل ضار لا يقتضي تحريم ما فيه مضرة من جهة ومنفعة من جهة أخرى ، لذلك كانت هذه الآية موضعا لاجتهاد الصحابة فترك لها الخمر بعضهم وأصر على شربها آخرون ، كأنهم رأوا انه يتيسر لهم أن ينتفعوا بها مع اجتناب ضررها ، فكان ذلك تمهيدا للقطع
--> ( 1 ) المروي المشهور ان سورة البقرة أول سورة نزلت بعد الهجرة ، ونزلت سورة النساء في السنة السابعة بعد صلح الحديبية وسورة المائدة في الثامنة بعد فتح مكة