الشيخ محمد رشيد رضا
316
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وهذا القول غير ظاهر فان دلالة الآية على المنع المطلق لا يتوقف على كون لفظ القتال فيها عاما ، وربما كانت دلالة النكرة فيها أدل على اطلاق الحكم في كل قتال في جنس الشهر الحرام كما بيناه في معنى تنكيرها وكونه للتنويع . ولهم في الآية كلام كثير ، والظاهر المتبادر أن اثبات كون القتال في الشهر الحرام كبيرا تمهيد للحجة على أن ما فعله عبد اللّه بن جحش وما عساه يفعله المسلمون من القتال فيه مبني على قاعدة لا ينكرها عقل ، وهي وجوب ارتكاب أخف الضررين إذا لم يكن بد من أحدهما ، ولا شك ان القتال في نفسه أمر كبير وجرم عظيم ، وانما يرتكب لإزالة ما هو أعظم منه وذلك قوله تعالى وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي وصد الناس ومنعهم عن الطريق الموصل اليه تعالى وهو الاسلام - وهو الذي يفعله المشركون من اضطهاد المسلمين وفتنتهم عن دينهم إذ يقتلون من يسلم أو يؤذنونه في نفسه وأهله وماله ، ويمنعونه من الهجرة إلى النبي عليه الصلاة والسّلام وَكُفْرٌ بِهِ أي باللّه تعالى وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي وصد عن المسجد الحرام وهو منع المؤمنين من الحج والاعتمار وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمهاجرون وذلك كقوله في آيات الاذن بالقتال في سورة الحج ( الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) كل واحدة من هذه الجرائم التي عليها المشركون أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من القتال في الشهر الحرام فكيف بها وقد اجتمعت ثم صرح بالعلة العامة لمشروعية القتال وهي فتنة الناس عن دينهم فقال وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وكان المشركون يفتنون المؤمنين عن دينهم بالقاء الشبهات وبما علم من الايذاء والتعذيب ، كما فعلوا بعمار بن ياسر وعشيرته ، وبلال وصهيب وخباب بن الأرت وغيرهم . كان عمار يعذب بالنار يكوى بها ليرجع عن الاسلام ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يمر به فيرى أثر النار به كالبرص وعن أم هانيء قالت إن عمار بن ياسر وأباه وأخاه عبد اللّه وسمية أمه كانوا يعذبون في اللّه فمر بهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « صبرا آل ياسر ، صبرا آل ياسر ، فان موعدكم الجنة » وفي رواية « صبرا يا آل ياسر اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت »