الشيخ محمد رشيد رضا

317

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مات ياسر في العذاب وأعطيت سمية أم عمار لأبي جهل يعذبها وكانت مولاة لعمه أبي حذيفة بن المغيرة وهو الذي عهد اليه بتعذيبها فعذبها عذابا شديدا رجاء ان تفتن في دينها فلم تجبه لما يسأل ، ثم طعنها في فرجها بحربة فماتت رضى اللّه عنها وكانت عجوزا كبيرة ، وكان أبو جهل يقول لها مع ذلك : ما آمنت بمحمد إلا انك عشقته لجماله : يؤذيها بالقول كما يؤذيها بالفعل . وكان يلبس عمار درعا من الحديد في اليوم الصائف يعذبه بحره . وكان أمية بن خلف يعذب بلالا يفتنه فكان بجيعه وبعطشه ليلة ويوما ثم يطرحه على ظهره في الرمضاء ، أي يضعه على الرمل المحمي بحرارة الشمس الذي ينضج اللحم ، ويضع على ظهره صخرة عظيمة ويقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتعبد اللات والعزى . فيأبى ذلك وهانت عليه نفسه في اللّه عز وجل ، وكانوا يعطونه للولدان فيربطونه بحبل ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول « أحد ، أحد » . وحكى خباب رضي اللّه عنه عن نفسه قال لقد رأيتني يوما وقد أوقدت لي نار وضعوها على ظهري فما أطفأها الا ودك ( دهن ) ظهري : فهذا نموذج من فتنة المشركين لضعفاء المسلمين ، وما امتنع منهم الا من له عصبة من قومه عز عليهم ابساله فمنموه حمية وانفة للقرابة . على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على منعة قومه وعناية اللّه تعالى به لم يسلم من ايذائهم فقد وضعوا سلا الجزور ( كرش البعير المملوء فرثا ) على ظهره وهو يصلي وخاف أصحابه تنحيته عن ظهره ، حتى نحته السيدة فاطمة عليها السّلام وتعرضوا له بضروب من الايذاء كفاه اللّه شرها كما قال تعالى ( 15 : 95 إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) وسيجيء ذكرهم وبيان ايذائهم في موضعه ان شاء اللّه تعالى هذا ما كان المشركون يعاملون به المؤمنين في حال ضعفهم ، ولما هاجروا وكثروا صاروا يقصدونهم بالفتال في مهجرهم لأجل الدين ، ولذلك قال تعالى وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا عاد إلى خطاب المؤمنين الذين كانوا يكرهون القتال لما تقدم ، بأعلمهم أن أولئك المشركين لا هم لهم إلا منع الاسلام من لأرض ، فترك قتالهم هو الذي يبيد الحق وأهله ، وانتظار إيمانهم بمجرد الدعوة ، طمع في غير مطمع ، والقتال في الشهر الحرام ،