الشيخ محمد رشيد رضا
313
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المشكلات إذ كيف يكره المؤمنون ما يكلفهم اللّه تعالى إياه وفيه سعادتهم ، وحمله جمهور المفسرين على الكره الطبيعي والمشقة وهذا لا ينافي الرضى به والرغبة في القيام باعبائه من حيث إنه مما أمر اللّه به وجعل فيه المصلحة لحفظ دينه كما قال في آيات الاذن به من سورة الحج ( وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ ) الخ وقوله وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ معناه ان من الأشياء المكروهة طبعا ما تأتونه وأنتم ترجون نفعه وخيره كشرب الدواء البشع المر ، ومن الأشياء المستلذة طبعا ما يتوقع فاعلها الضر والأذى في نفسه أو من جهة منازعة الناس له فيه هذا تقرير ما قاله المفسرون ولكن الأستاذ الإمام قال إنه لا يظهر على هذا معنى وجيه لقوله عز وجل وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * لان هذا مما يعلمه الناس ويتوقعونه لا مما هداهم الكتاب اليه بعد أن كانوا غائبين عنه ، والصواب ان « عسى » في مثل هذا المقام تفيد ان ما دخلت عليه من شأنه أن يقع ، لا أنه مرجو من المتكلم ومتوقع ، وأن الكره محمول على غير ما حملوه عليه . ذلك ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بعث والعرب في قتال مستحر ، ونزاع مستمر ، وكان الغزو للسلب والنهب ، من أعظم أسباب الكسب ، وكان الصحابة قد الفوا القتال واعتادوه ومرنوا عليه فلم يكن عندهم مكروها بالطبع ، ولكنهم كانوا يرون أنفسهم فئة قليله حملت هذا الدين واهتدت به ويخشون ان يقاوموا المشركين بالقوة فيهلكوا ويضيع الحق الذي هدوا اليه وكانوا إقامته والدعوة اليه . وثم وجه آخر وهو ان كرههم للقتال لم يكن خوفا على أنفسهم أن يبيدوا أولا على الحق الذي حملوه أن يضيع ، وانما هو حب السّلام والرحمة بالناس التي أودعها القرآن في نفوسهم ، وثبتها الايمان في قلوبهم ، واختيار مصابرة الكفار ومجادلتهم بالدليل والبرهان ، دون مجالدتهم بالسيف والسنان ، رجاء أن يدخلوا في السلم كافة ويتركوا خطوات الشيطان ، وعلى هذا الوجه يظهر من معنى « وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ » مالا يظهر في المعنى