الشيخ محمد رشيد رضا
314
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الذي قبله ويفيد قوله « وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ » * أن قياسكم جميع الكافرين على أنفسكم ، وتوقعكم أن يزين لهم من الايمان ما زين لكم ، هو من الأقيسة الباطلة ، فان الاستعداد في الناس يتفاوت تفاوتا عظيما ، فمنهم من ساءت خليقته ، وأحاطت به خطيئته ، حتى لم يبق لروح الحق منفذ إلى عقله ، ولا لحب الخير طريق إلى قلبه ، فلا تنفع فيه الدعوة ، ولا ترجى له الهداية ، ومثل هذا الفريق في الأمة كمثل الدم الفاسد في الجسم إذا لم يخرج منه فإنه يفسده ، ولم يأمر اللّه بقتالهم ، الا رحمة بمجموع الأمة أن تفسد بهم ، فلا يقاسون على من سلمت فطرتهم وحسنت سريرتهم ، حتى كان وقوعهم في الباطل جهلا منهم بالحق وإصابتهم بعض الشر ، لعدم التمييز بينه وبين الخير ، وأنتم أيها المؤمنون لا تعلمون كنه استعداد الناس ولا ما يكون من أثره في مستقبلهم ، وانما اللّه هو الذي يعلم ذلك فامتثلوا أمره . وأما معناه على الوجه الأول مما أورد الأستاذ الامام فهو ان سنة اللّه تعالى قد مضت بأن ينصر الحق وحزبه على الباطل وأحزابه ما استمسك حزب اللّه بحقهم فأقاموه ودعوا اليه ودافعوا عنه ، وأن القعود عن المدافعة ضعف في الحق يغري به أعداءه ويطمعهم بالتنكيل بحزبه ، حتى يتألبوا عليهم ويوقعوا بهم ، وانه قد سبق في علم اللّه تعالى أن اللّه لا بد أن يظهر دينه وينصر أهله على قلتهم ، ويخذل أهل الباطل على كثرتهم ( 2 : 249 كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) وقد علم اللّه كل هذا وأنتم لا تعلمون ما خبأ لكم في غيبه ، وستجدونه في امتثال أمره ، والعمل بما يرشدكم اليه في كتابه ، ومن عجيب ما ترى العينان نقل المفسرين بعضهم عن بعض أن المراد بقوله تعالى « وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً » جميع التكاليف التي أمروا بها ، وبقوله تعالى « وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً » جميع ما نهوا عنه . ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يكره طبعه وتستثقل نفسه جميع ما أمره اللّه تعالي به ، وتحب جميع ما نهاه عنه ، ولكن التقليد يذهل المرء عن نفسه وما تحب وتكره ، وعما يراه ويعرفه في الناس بالمشاهدة والاختبار . فليتأمل القارئ الفرق بين هذا القول الذي يعرف بطلانه من نفسه