الشيخ محمد رشيد رضا

261

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

زللتم وحدتم عن صراط اللّه وهو السلم إلى خطوات الشيطان وهي طرق الخلاف والافتراق والباطل والشر ، من بعد أن بين اللّه تعالى لكم أن سبيله واحدة وهي السلم ، وأن الشيطان لكم عدو مبين ، وأمركم أن تتخذوه عدوا وتجتنبوا طرقه وخطواته ، ثم فصل لكم من ذلك ما اضطررتم اليه ، وأكد النهي عن شر تلك الطرق وأشأمها وهي طرق التفرق والخلاف - فاعلموا أن أمامكم أمرا جليلا ، وأخذا وبيلا ، ذلك أن اللّه تعالى لعزته لا ينسى من ينسي سننه ويزل عن شريعته ، بل يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، ولحكمته قد وضع تلك السنن في الخليقة ، وهدى إليها الناس بما أنزل من الشريعة ، ومن ذلك أن جعل لكل ذنب عقوبة ، وجعل العقوبة على ذنوب الأمم أثرا من آثارها لازما لها حتما . فكأنه تعالى قال فاعلموا أنه يحل بكم العقاب لأنه عزيز لا يغلب على أمره ، وحكيم لا يهمل أمر خلقه ، ولكن هذا التعبير أبلغ لأنه بيان للحجة ، وتقرير للبرهان بالإشارة إلى مقدماته ، اكتفاء به عن ذكر النتيجة وهو من ضروب إيجاز القرآن ، التي لم تعهد في كلام انسان . قال الأستاذ الامام : انه ذكر من صفاته تعالى ما هو دليل العقاب وهو ما لا مطمع في زواله ، ولا هزء في الدين أكبر من ظن المغرور أنه ينال جنة عرضها السماوات والأرض وفيها من النعيم والرضوان ما لم بخطر على قلب بشر ، بغير الاعمال التي أرشدت إليها آيات اللّه تعالى ، مبينة أن العقوبات على تركها من آثار صفاته القديمة التي لا يلحقها تغيير ، ولا تؤثر فيها الحوادث بتبديل ولا تحويل اه ونقول نحن على طريقته ان ظن المغرورين بأنه يكون لهم السلطان والخلافة في الأرض بمجرد دعوى الايمان والاسلام ، ولو مع بعض الاعمال البدنية من غير إقامة العدل في الناس والعمارة والاصلاح في الأرض ، هو من الهزء بآيات اللّه في كتابه ، وآياته في خلقه ، فإنها متفقة على أن الأرض يرثها عباد اللّه الصالحون لعمارتها وإقامة العدل فيها ( 11 : 117 وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى ) أي الأمم ( بظلم ) منهم أي شرك وكفر ، أو منه لهم ( وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) اي والحال أنهم مصلحون في أعمالهم وسياستهم وانما يهلكها إذا ظلموا وأفسدوا فيها