الشيخ محمد رشيد رضا

262

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والآيتان المفسرتان آنفا وما في معناها كقوله تعالى ( 3 : 103 وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) إلى قوله ( 105 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) وقوله ( 6 : 159 إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) كلها هادمة للتقاليد التي فرقت الأمة وجعلتها شيعا ، حتى صار بأسها بينها شديدا ، فسفكت دماءها بأيديها ، ومزقت دنياها بتمزيق دينها ، وكان من أمرها بعد ذلك ما ترى سوء عاقبته في كل شعب وكل قطر * * * ثم بين تعالى غاية الوعيد المشار إليه في الاسمين الكريمين فقال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وقد غير الأسلوب بالالتفات عن الخطاب والامر إلى الحكاية عن الزالين عن صراط اللّه بضمير الغائب . والحكمة في الالتفات تناول هذا الوعيد لجميع من زل من المؤمنين المخاطبين في الدخول في السلم والمنهيين عن ضده ، ومن زل من غيرهم ، أو هي الايذان بأن الزالين لا يستحقون شرف الخطاب الإلهي الاستفهام في الآية بمعنى النفي ، وينظرون بمعنى ينتظرون ، وهي كثيرة الاستعمال بهذا المعنى في الكتاب العزيز ولا سيما في أمور الآخرة كقوله تعالى ( 47 : 17 فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ) - ( 36 : 49 ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) وإتيان اللّه تعالى فسره الجلال وآخرون باتيان أمره أي عذابه كقوله في آية أخرى ( 16 : 33 هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ) أي فهو بمعنى ما جاء من التخويف بعذاب الآخرة في الآيات الكثيرة الموافقة لهذه الآيات في أسلوبها . وأقر الأستاذ الامام الجلال على ذلك وبين في الدرس أن هذا الاستعمال من أساليب العرب المعروفة من حذف المضاف واسناد الفعل إلى المضاف اليه مجازا وأوضحه أتم الايضاح . فهو على حد ( واسأل القرية ) ومن المفسرين من قال إن الاسناد حقيقي وإنما حذف المفعول للعلم به من الوعيد السابق ، أي هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه بما وعدهم به من الساعة والعذاب ؟