الشيخ محمد رشيد رضا

254

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إذا مست الحاجة لذلك فكيف إذا ألجأت اليه الضرورة كجهاد أعداء الملة والأمة عند الاعتداء عليهما أو الاستيلاء على شيء من دار الاسلام ، وحينئذ يكون فرضا عينيا على جميع الافراد ، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه ، ومن قدر عليه بماله وجب عليه ، ومن قدر عليه بهما معا وجب عليه . وسبيل اللّه هي الطريق الموصلة إلى مرضاته ، وهي التي يحفظ بها دينه ويصلح بها حال عباده . ومعنى هذا أنه لا يكتفى من المؤمن أن يكتسب بالحلال ، ويتمتع بالحلال ، وينفع نفسه ولا يضر غيره ، وأن يصلي ويصوم ، لان كل هذا يعمله لنفسه خاصة ، بل يجب أن يكون وجوده أوسع ، وعمله أشمل وأنفع ، فيساعد على نفع الناس ودرء الضرر عنهم ، بحفظ الشريعة ، وتعزيز الأمة بالمال ولاعمال ، والدعوة إلى الخير ، ومقاومة الشر ، ولو أفضى ذلك إلى بذل روحه . فان قصر في واجب يتعلق بحفظ الملة وعزة الأمة من غير عذر شرعي فقد آثر نفسه على مرضاة اللّه تعالى ، وخرج من زمرة كملة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم للّه تعالى ، وكان أكبر إجراما ممن يقصر في واجب لا يضر تقصير فيه إلا بنفسه ، ذلك أن الحكمة في تربية النفس بالاعمال الحسنة والاخلاق الفاضلة ، هي أن ترتقي ويتسع وجودها في الدنيا فيعظم خيرها وينتفع الناس بها ، وتكون في الآخرة أهلا لجوار اللّه تعالى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم وجعلوا أكثر أعمالهم خدمة للناس وسعيا في خيرهم . فان اللّه تعالى لم يشتر أنفس المؤمنين من الحظوظ والشهوات الشخصية الخسيسة لأجل نفعه سبحانه أو دفع الضر عنه جل شأنه ، فهو غني عن العالمين ، وإنما شرع هذا ليكون المؤمن باتساع وجوده وعموم نفعه سيد الناس . فليعرض مدعو الايمان أنفسهم على الآية وأمثالها ، فمن ادعى أنه من الذين باعوا أنفسهم للّه ، وآثروا مرضاته على ما سواه ، فليعرضه غيره من المنصفين عليها ، ولا سيما إذا ادعى أنه واسع الوجود خادم للأمة والملة ، لا جرم أن كثيرا منهم لا يصدق عليهم شيء من ذلك ، ولا قوله تعالي ( 49 : 14 قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) فان معنى أسلمنا أنقدنا لأحكام الدين الظاهرة وأخذنا بأعماله البدنية . وكثير ممن تعجبك أقوالهم من صنف المسلمين لا يصلون