الشيخ محمد رشيد رضا

255

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولا يصومون ، ولا يزكون ولا يحجون ، ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون ، ويأتون كثيرا من الكبائر جهارا ، ويصرون عليها إصرارا ذكر تعالى أن من الناس من يشرى أي يبيع نفسه وهم المؤمنون الخلص كما في الآيات الأخرى ، والاخبار بذلك أقوى في طلبه من الامر به وأدل على تقريره ، لان الامر به لا يدل على امتثال المأمورين والاخبار هو الذي يدل على الوقوع ، فالقرآن يصور المؤمنين عاملين بمقتضى الايمان ثم بين أنه ما شرع هذا إلا رأفة بعباده فقال وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ * إذ يرفع همم بعضهم ، ويعلي نفوسهم ، حتى يبذلوها في سبيله لدفع الشر والفساد عن عباده ، وتقرير الحق والعدل والخير فيهم ، ولولا ذلك لغلب شر أولئك المفسدين في الأرض حتى لا يبقى فيها صلاح ( 2 : 251 وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) وإن هذا يؤيد ما قلناه في إزالة وهم من يتوهم أن بيع النفس يؤذن بترك الدنيا ، وأن لا يمتع المؤمن نفسه بلدلتها ، ولو كان كذلك وهو من تكليف ما لا يطاق لما قرنه اللّه تعالى باسمه الرؤوف الدال على سعة رحمته بعباده ، فيا للّه ما أعجب بلاغة كلام اللّه ، وما أعظم خذلان المعرضين عن هداه ومن الدقة الغريبة في هذا التعبير الموجز بيان حقيقة عظيمة وهي أن وجود هذه الأمة في الناس رحمة عامة للعباد لا خاصة بهم ، والامر كذلك ، بل كثيرا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم ، إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم . وان على من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة للّه تعالى في نفع عباده أن لا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة ، بل عليه أن يكون حكيما يقدر الأمور بقدرها ، إذ ليس المقصود بهذا الشراء إهانة النفس ولا إذلالها ، وإنما المراد دفع الشر وتقرير الخير العام رأفة بالعباد ، وإيثارا للمصلحة العامة . وإن أمة يتصف جميع أفرادها أو أكثرهم بهذا الوصف لجديرة بأن تسود العالمين ، وكذلك ساد سلفنا الصالحون ، وإن أمة تحرم من هذا الصنف لخليقة بأن تكون مستعبدة لجميع المتغلبين ، وكذلك استعبد خلفنا الطالحون ، فهل نحن معتبرون ؟