الشيخ محمد رشيد رضا

253

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بل يخشى أن يقال لذويه يومئذ ( 46 : 70 أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ) ذكر اللّه تعالى هذا الشراء في آيات أخرى تشرح هذه الآية وتفسرها وتبين أن المؤمنين باعوا وأن اللّه قد اشترى كقوله عز وجل ( 9 : 111 إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) إلى قوله ( فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) وقد وصف هؤلاء المؤمنين في الآية التي بعدها بما يجب على المؤمن أن يجعله معها ميزانا للايمان وأهله . فنفس المؤمن للّه لا للشهوة واللذة البهيمية والمكر الشيطاني ، فمن آثر شهوته على مرضاة ربه ، والتزام حدوده ، والمحافظة على هدي دينه ، فلا وزن له في سوق هذا البيع ولا قيمة . ولقد نعلم أنه ليكبر هذا القول على المفتونين بزينة الحياة الدنيا ، ولذاتها وقصورها ، وخمورها وحورها ، وإن كانوا يزعمون أنهم من زعماء الدين ، وخدمته المخلصين لان الحق مر في مذاق المبطلين والآية لا تنافي ما دلت عليه آية الدعاء من أن الاسلام شرع لنا طلب الدنيا من الوجوه الحسنة كما شرع لنا طلب الآخرة ، بل هي مؤيدة لها ، فان طلبها من الطرق الحسنة أي المشروعة النافعة لا ينافي مرضاة اللّه تعالى ببيع النفس له ، ولذلك لم يحرم سبحانه علينا إلا ما هو ضار بفاعله أو غيره ، فلنا أن نتمتع بها حلالا ونكون مثابين مرضيين عند اللّه تعالى . قال بعض الصحابة لما قال عليه الصلاة والسّلام « وفي بضع أحدكم صدقة » يا رسول اللّه أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال « أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ » قالوا نعم ، قال « فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر » رواه مسلم من حديث أبي ذر . ولكن الذي ينافي مرضاة اللّه تعالي وينافي سعادة الدنيا قبل الآخرة هو أن يسترسل المرء في سبيل حظوظه وشهواته خارج الحدود المشروعة فيفسد في الأرض ، ولا يبالي أن يهلك بافساده الحرث والنسل ثم إن هذا البيع لا يتحقق إلا إذا كان المؤمن يجود بنفسه وبماله في سبيل اللّه