الشيخ محمد رشيد رضا

250

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليه الامر ، فتأخذه الكبرياء والانفة ، وتخطفه الحمية وطيش السفه ، فيكون كالمأخوذ بالسحر ، لا يستقيم له فكر ، لأنه مصر على إفساده لا يبغي عنه حولا ، وعبر عن الكبرياء والحمية بالعزة ، للاشعار بوجه الشبهة للنفس الامارة بالسوء وهو تخيلها النصح والارشاد ذلة تنافي العزة المطلوبة قال شيخنا هذا الوصف ظاهر جدا في تفسير التولي بالولاية والسلطة ، فان الحاكم الظالم المستبد يكبر عليه أن يرشد إلى مصلحة ، أو يحذر من مفسدة ، لأنه يرى أن هذا المقام الذي ركبه وعلاه يجعله أعلا الناس رأيا وأرجحهم عقلا ، بل الحاكم المستبد الذي لا يخاف اللّه تعالى يرى نفسه فوق الحق كما أنه فوق أهله في السلطة ، فيجب أن يكون أفن رأيه خيرا من جودة آرائهم ، وإفساده نافذا مقبولا دون إصلاحهم ، فكيف يجوز لاحد منهم أن يقول له : اتق اللّه في كذا ؟ وان الأمير منهم ليأتي أمرا فيظهر له ضرره في شخصه أو في ملكه ويود لو يهتدي السبيل إلى الخروج منه فيعرض له ناصح يشرع له السبيل فيأبى سلوكها ، وهو يعلم أن فيها النجاة والفوز إلا أن يحتال الناصح في اشراعها فيجعله بصيغة لا تشعر بالارشاد والتعليم ، ولا بأن السيد المطاع في حاجة اليه « 1 » وقد عرضت نصيحة على بعضهم مع ذكر لفظ النصيحة بعد تمهيد له بالحديث « الدين النصيحة للّه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم » وبيان معناه ، فعظم عليه أن يقول أحد انني أنصح لك لأنك إمامي وكان ذلك آخر عهد الناصح به « 2 » فانظر كيف لم يرض حاكم مسلم بأن يبذل له ما يجب أن يبذل للّه ولرسوله وللأئمة ، وقد كان العلماء ينصحون للخلفاء والملوك المسلمين ، فيأخذون بالنصح بحسب مكانهم من الدين ، وأما الطغاة البغاة الذين ليس لهم من الاسلام إلا ما يخدعون به العامة

--> ( 1 ) وضرب الأستاذ الامام المثل لذلك في الدرس بالأزهر بقوله كان يقول له ان مولانا حفظه اللّه وأيده لا يخفي عليه كذا . . . وقد فهم الأذكياء أنه يعني بهذا ما يفعله في نصيحة أمير البلاد ( 2 ) هذا ما وقع لي كتبته يومئذ مبهما وقد امتد ذلك الغضب تسع سنين ولكن كان له سبب غير النصيحة التي أثارته