الشيخ محمد رشيد رضا

251

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

من إتيان المساجد في الجمع والأعياد والمواسم المبتدعة ، فإنهم يؤذون من يشير إشارة ما إلى أنهم في حاجة إلى تقوى اللّه في أنفسهم ، أو في عيال اللّه الذين سلطوا عليهم ، وإن لم يبق لهم من السلطان والحكم ، ما يمكنهم من كل ما يهوون من الافساد والظلم ، وإذا كان هذا شأن أكثر الملوك والامراء الذين ينسبون إلى الدين ويدعون اتباعه فهل تجد دعوى فرعون الألوهية غريبا عجيبا ؟ وحمل التولي على الوجه الآخر لا يتنافى مع أخذ العزة بالاثم من جرّاء الامر بالتقوى ، فان في طبع كل مفسد النفور ممن يأمره بالصلاح والاحتماء عليه ، لأنه يرى أمره بالتقوى والخير تشهيرا به ، وصرفا لعيون الناس إلى مفاسده التي يسترها بزخرف القول وخلابته ، ولكن التعبير أظهر في إرادة الولاة والسلاطين . وقد يبلغ نفور المفسدين في الأرض من الحق والداعين إلى الخير إلى حد استثقالهم والحقد عليهم ، والسعي في ايذائهم وإن لم يأمروهم بذلك ، إذ يرون أن الدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر على إطلاقهما كافيان في فضيحتهم ، وذاهبان بخلابتهم ، فلا يطيقون رؤية دعاة الخير ولا يرتاجون إلى ذكرهم ، بل يتتبعون عوراتهم وعثراتهم ليوقعوا بهم وينفروا الناس عن دعوتهم ، فإن لم يظفروا بزلة ظاهرة التمسوها بالتحريف والتأول ، أو الاختراع والتقول ، ولذلك تجد طعن المفسدين في الأئمة المصلحين ، من قبيل طعن الكافرين في الأنبياء والمرسلين : إن فلانا مغرور ، لا يعجبه أحد خطّأ جميع الناس ، وصفهم بالضلال ، سفّه أحلامهم ، شنّع على أعمالهم ، فرّق بينهم ، وما أشبه هذا هذه آثار المفسدين في الأرض عند العجز عن الايقاع بالآمر بالتقوي ، وإن قدروا حبسوا وضربوا ، ونفوا وقتلوا ، ولذلك قال عز وجل فيمن يأنف من الامر بالتقوى فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ أي هي مصيره وكفاه عذابها جزاء على كبريائه وحميته الجاهلية . ثم وصف جهنم وهي دار العذاب في الآخرة بقوله وَلَبِئْسَ الْمِهادُ المهاد الفراش يأوي اليه المرء المراحة ، واللام واقعة في جواب قسم محذوف ، فاللّه تعالى يقسم تأكيدا للوعيد بأن الذي يرى عزته مانعة له عن الاذعان للامر بتقوى اللّه