الشيخ محمد رشيد رضا
244
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 204 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 205 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 206 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ( 207 ) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ * * * أرشدتنا آيات المناسك السابقة إلى أن المراد منها ومن كل العبادات هو تقوى اللّه تعالى باصلاح القلوب ، وإنارة الأرواح بنور ذكر اللّه تعالى واستشعار عظمته وفضله - وإلى أن طلب الدنيا من الوجوه الحسنة لا ينافي التقوى بل يعين عليها ، بل هو مما يهدي اليه الدين ، خلافا لأهل الملل السابقة الذين ذهبوا إلى أن تعذيب الأجساد وحرمانها من طيبات الدنيا هو أصل الدين وأساسه - وإلى أن من يطلب الدنيا من كل وجه ويجعل لذاتها أكبر همه ليس له في الآخرة من خلاق ، لأنه مخلد إلى حضيض البهيمية لم تستنر روحه بنور الايمان ، ولم يرتق عقله في معارج العرفان . ولما كان محل التقوى ومنزلها القلوب دون الألسنة ، وكان الشاهد والدليل على ما في القلوب الاعمال ، دون مجرد الأقوال ، ذكر في هذه الآيات ان الناس في دلالة أعمالهم على حقائق أحوالهم ومكنونات قلوبهم قسمان ، فكانت هذه متصلة بتلك في بيان مقصد القرآن العزيز وهو إصلاح القلوب ، واختلاف أحوال الناس فيها ، وما ينبغي أن يعلموه منها ، ولذلك عطفها عليها فقال وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يقال اعجبه الشيء إذا راقه واستحسنه ورآه عجبا اي طريفا غير مبتذل ، والخطاب عام ، وفي قوله ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) وجهان ( أحدهما ) أن من الناس فريقا يعجبك قوله وأنت في هذه الحياة لأنك تأخذ بالظواهر وهو منافق اللسان يظهر خلاف ما يضمر ، ويقول