الشيخ محمد رشيد رضا

245

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما لا يفعل ، فهو يعتمد على خلابة لسانه ، في غش معاشريه وأقرانه ، يوهمهم انه مؤمن صادق ، نصير للحق والفضيلة ، خاذل للباطل والرذيلة ، متق للّه في السر والعلن ، مجتنب للفواحش ما ظهر منها وبطن ، لا يريد للناس إلا الخير ، ولا يسعى إلا في سبيل النفع وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ أي يحلف باللّه أن ما في قلبه موافق لما يقول ويدعي . وفي معنى الحلف أن يقول الانسان : اللّه يعلم أو يشهد بأنني أحب كذا وأريد كذا . قال تعالى ( قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ) وهو تأكيد معروف في كلام العرب أليس اللّه يعلم أن قلبي * يحبك أيها البرق اليماني وقال العلماء ان هذا آكد من اليمين ، وعن بعض الفقهاء أن من قاله كاذبا يكون مرتدا لأنه نسب الجهل إلى اللّه تعالى . وأقول إن أقل ما يدل عليه عدم المبالاة بالدين ولو لم يقصد صاحبه نسبة الجهل إلى اللّه عز وجل فهو قول لا يصدر إلا عن المنافقين الذين ( يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) فان أحدهم ليبالغ في الخلابة والتودد إلى الناس بالقول وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ أي وهو في نفسه أشد الناس مخاصمة وعداوة لمن يتودد إليهم ، أو هو أشد خصمائهم على أن الخصام جمع خصم ككعاب جمع كعب وهو المختار واللدد شدة الخصومة ولد ( كتعب ) الرجل لازم ولد خصمه ( كنصر ) شدد خصومته ولادّه للمشاركة . وفيه وجه آخر قاله بعضهم وهو أن الخصام بمعنى الجدال أي وهو قوي العارضة في الجدل لا يعجزه أن يختلب الناس ويغشهم بما يظهر من الميل إليهم وإسعادهم في شؤونهم ومصالحهم . قال صاحب هذا القول فالأوصاف المحمودة التي يعتمد عليها ثلاثة : حسن القول بحيث يعجب السامع ، وإشهاد اللّه تعالى على صدقه وحسن قصده ، وفي معناه ما هو دونه من ضروب التأكيد الذي يقبله خالي الذهن ، وقوة العارضة في الجدل التي يحاج بها المنكر أو المعارض وأما بيان سوء حاله ، وفساد أعماله ، فهو في الآيتين التاليتين وقد مهد لهما بقوله تعالى ( فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) والتمهيد في بداية الكلام للمراد منه في غايته من ضروب البلاغة وأفنانها