الشيخ محمد رشيد رضا
239
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تستطيعه فهلا قلت : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » ودعا له فشفاه اللّه تعالى وأبعد من هذا في الغلو ان بعض الصوفية سمع قارئا يتلو قوله تعالى ( 3 : 152 مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) فصاح أواه فأين من يريد اللّه ؟ وهو قول حسن الظاهر قبيح الباطن ، فالآية خطاب لخيار الصحابة وهو وشيخه من الصوفية لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه ، فإرادة الدنيا والآخرة بالحق إرادة لمرضاة اللّه وعمل بسنته وشرعه ، والمراد بالدنيا فيها الغنيمة في الحرب ، وبالآخرة الشهادة في سبيل اللّه ، فهل يظن بجهله أن من شهد اللّه تعالى لهم بأنهم بذلوا أنفسهم في سبيله ونصر رسوله وآثروا الشهادة في القتال على الغنيمة انهم لا يريدون اللّه ؟ . وقد ورد في الصحيح ان الآية كانت أكثر دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهل يدعي ذلك الصوفي وأمثاله من الغلاة انهم أشد حبا منه للّه وطلبا له عز وجل ؟ ( أقول ) كلا انما هي فلسفة خيالية من خيالات وحدة الوجود البرهمية الهندية ، قد شغل بها أفراد عن فطرة اللّه وشرعه معا فجعلوها أعلى مراتب العبودية ، وتأولوا لها بعض آيات الكتاب العزيز كقوله تعالى ( يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) * وما إرادة وجهه تعالى إلا الاخلاص له في كل عمل مشروع من مصالح الدين والدنيا وتحري هداية دينه فيه ، لا ما تخيلوه من أن إرادة وجهه تعالى هو الوصول إلى ذاته بعد التجرد من كل نعمه في الدنيا والآخرة جميعا ، فان الاتصال بتلك الذات العلية القدسية التي لا تدركها العقول ولا تدنو من كنهها الافكار ولا الأوهام ، مما لم يتعلق به تكليف ، ولم يرد به شرع ، بل إدراك كنه الذوات المخلوقة له تعالى فوق استطاعة خلقه . وإنما أعلا مراتب معرفة اللّه تعالى في الدنيا هي معرفة كل شيء به ومعرفته في كل شيء وبكل شيء ، ودعاؤه بكل اسم من أسمائه بما يناسب تعلقه بشؤون عباده ، وبهذا فضل جمهور أهل السنة خيار البشر على الملائكة الذين يعبد كل منهم ربه عبادة خاصة ، والمؤمن الكامل من يعرف حق ربه على عباده وما شرعه من حقوق بعضهم على بعض ، والقيام في كل ذلك بذكره وشكره وحبه والتوكل عليه والاخلاص له ، وأعلا