الشيخ محمد رشيد رضا
240
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مراتب معرفته في الآخرة هو مقام الرؤية بتجليه الا على في جنات عدن ، والاشتغال بذكر الجزاء عن العمل الموصل اليه جهل لا علم ولا معرفة * * * ثم قال تعالى بيانا لمن يسأل عن حظ هؤلاء أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا الإشارة بأولئك إلى الذين يطلبون سعادة الدارين ، والحسنة في المنزلتين ، لان حكم الفريق الذي يطلب الدنيا وحدها قد علم من قوله تعالى ( وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ) فان العطف يشعر بمحذوف كأنه قال هذا الفريق له حظه من الدنيا وما له في الآخرة من حظ سواه ، ومجموع الكلام في الفريقين بمعنى قوله تعالى ( 42 : 20 مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) وقد بينت الآية صريحا انهم يعطون ما دعوا اللّه تعالى فيه بكسبهم ، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وانه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى اللّه تعالى بعد الاخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت بها سنة اللّه تعالى ، ولهذا قال [ مِمَّا كَسَبُوا ] ولم يقل لهم ما طلبوا - والمعنى انهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها ، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يوفي كل كاسب أجره عقب عمله بحسبه لان سنته مضت بأن تكون الرغائب آثار الاعمال ، فهو يوفي كل عامل عمله بلا ابطاء ، وكما يكون الجزاء سريعا في الدنيا كذلك يكون في الآخرة ، فان أثر الأعمال الصالحة يظهر للمرء عقب الموت وهو أول قدم يضعها في باب عالم الآخرة . وهذا أحسن بيان لما قالوه في تفسير [ سَرِيعُ الْحِسابِ ] من أنه إجابة الدعاء . والأكثرون على أن المراد حساب الآخرة ، واختلفوا في كيفية ذلك على أقوال أقربها إلى التصور ان سرعة الحساب عبارة عن اطلاع كل عامل على عمله أو اعلامه بماله مما كسب ، وما عليه مما اكتسب وذلك يتم في لحظة ، وقد ورد ان اللّه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا ، وورد في قدر فواق الناقة ، وورد بمقدار لمحة البصر ( أقول ) هذا ما كنت كتبته في تفسير الآية بالمعني الذي قرره شيخنا ( رح )