الشيخ محمد رشيد رضا

238

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لقوله تعالى وَقِنا عَذابَ النَّارِ بقوله اي احفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إليها فطلب الحياة الحسنة في الدنيا يكون بالاخذ بأسبابها المجربة في الكسب والنظام في المعيشة ، وحسن معاشرة الناس بآداب الشريعة والعرف ، وقصد الخير في الاعمال كلها ، وتوقي الشرور كلها ، وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالايمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصالح بقدر الاستطاعة ، وطلب الوقاية من النار يكون بترك المعاصي واجتناب الرذائل والشهوات المحرمة ، مع القيام بالفرائض المحتمة - هذا هو الطلب بلسان القلب والعمل ، وأما الطلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأن هذه الأسباب من اللّه فالسعي لها مع الايمان هو عين الطلب من فيضه وإحسانه ، مصت سنته بأن يعطي بها فضلا منه ورحمة ، لا بخوارق العادات التي لا يعلم محلها وحكمتها غيره ، وانه لا يرجع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي ، والمعونة على ما عسر . ولم يذكر في التقسيم من لا يطلب إلا حسنة الآخرة ، لان التقسيم لبيان ما عليه الناس في الواقع ونفس الامر بحسب داعي الجبلة وتأثير التربية وهدي الدين ، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجه نفسه إلى حسن الحال في الدنيا مهما يكن غاليا في العمل للآخرة ، لان الاحساس بالجوع والبرد والتعب يحمله كرها على التماس تخفيف ألم ذلك الاحساس ، والشرع يكلفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه ، وقد جعل عليه حقوقا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه واخوانه وأمته لا تصح عبوديته إلا بدعاء اللّه تعالى فيها وفي الآية إشعار بأن هذا الغلو مذموم خارج من سنن الفطرة وصراط الدين معا ، وما نهى اللّه أهل الكتاب عن الغلو في الدين وذمهم على التشدد فيه إلا عبرة لنا ، وقد نهانا عنه نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال له « هل كنت تدعو اللّه بشيء ؟ » قال نعم كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « سبحان اللّه إذا لا تطيق ذلك ولا