الشيخ محمد رشيد رضا
237
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحظوظ والشهوات ، حسنها وقبيحها ، خيرها وشرها ، كبيرها وخسيسها ، وما لا يليق ذكره منها . وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الفريق فقيل هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة واستدلوا بما روي عن ابن عباس وانس من دعاء المشركين في ذلك المقام بحظوظ الدنيا ، وقيل هم المسلمون الذين لم تمس اسرار الدين وحكمه قلوبهم ، ولم تشرق أنوار هدايته على أرواحهم ، بل اكتفوا بالتقليد في رسومه الظاهرة ، فكان همهم في الدنيا دون الآخرة ، وذكروا هنا ما روي في المرفوع من أن اللّه تعالى يؤيد هذا الدين بمن لا خلاق لهم . واستدلوا على صحة رأيهم بالسياق . ولا شك أن هذا القسم موجود في المسلمين كما وجد في كل أمة ، ومن بلا الناس وفلاهم عرف ذلك . * * * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً أي ومنهم من يطلب خير الدنيا والآخرة جميعا ، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت كالفريق الأول ، وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية أو الكفاف أو المرأة الصالحة أو الأولاد الأبرار أو المال الصالح أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة ، وروي بعض هذه الأقوال عن بعض السلف ، ولعل كل ذي قول يطلقها على المهم عنده ، والظاهر أن حسنة وصف لمحذوف اي حياة حسنة ، وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدا في الدنيا . فمن دعا اللّه تعالى دعاء إجماليا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة والحياة الطيبة فيهما يكن مهتديا بالآية ، ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة فهو مهتد بها ، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضا فقيل الجنة ، وقيل الرؤية ، واختلفوا في عذاب النار ورووا عن علي كرم اللّه وجهه انه المرأة السوء . وقد علم مما تقدم في تفسير ( 186 أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ) أن الطلب من اللّه تعالى إنما يكون باتباع سننه في الأسباب والمسببات ، والتوجه اليه تعالى واستمداد المعونة والتوفيق منه ، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه ، وعلى هذا يتخرج تفسير الحسن