الشيخ محمد رشيد رضا

234

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ينافيه وذلك ان الخطاب في الآيات كلها عام قال وهم يذكرون هذا كثيرا ولا يذكرون له نكتة تزيل التفاوت من النظم ، ويمكن ان يقال هنا انه بعد ان ذكر كذا وكذا من احكام الحج قال هذا كأن المعنى هكذا : بعد ما تبين لكم ما تقدم كله من أعمال الحج وليس فيها امتياز أحد على أحد ، ولا قبيل على قبيل ، وعلمتم أن المساواة وترك التفاخر من مقاصد هذه العبادة ، بقي شيء آخر وهو أن تلك العادة المميزة لا وجه لها ، فعليكم أن تفيضوا مع الناس من مكان واحد والمتبادر أن المراد بالإفاضة هنا الدفع من مزدلفة لأنه ذكر الدفع من عرفات في خطاب المؤمنين كافة ، وهو لا يكون إلا بعد الوقوف فعلم أنهم سواء في الوقوف بعرفات وفي الإفاضة منها إلى المزدلفة ، وبعد أن أمرهم بما يتوقع ان يغفلوا عنه فيها عند المشعر الحرام منها ذكر الإفاضة منها . وقوله ( ثم ) يفيد أن الإفاضة من مزدلفة يجب أن تكون مرتبة على الإفاضة من عرفات ومتأخرة عنها ففيه تأكيد ابطال تلك العادة وقوله ( مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ) يشعر بأنه لا معنى للامتياز في الموقف ترفعا عن الناس إذ كانوا بعد ذلك يتساوون في الإفاضة ، فان غير قريش من العرب كانوا يفيضون من المزدلفة أيضا فالآية تتضمن ابطال ما كانت عليه قريش مع كون المراد بالإفاضة فيها الدفع من مزدلفة ، ولعل هذا هو المراد من الأثر وانه روي بالمعنى ، والظاهر أن المراد بالناس الجنس وقيل إبراهيم وإسماعيل ومن كان على دينهما ، وقوله وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ * يراد به الاستغفار مما أحدثوا بعد إبراهيم من تغيير المناسك وادخال الشرك واعماله فيها ، وإلا فهو استغفار من الضلال الذي ذكرهم به في الآية قبلها ، ومن عامة الذنوب في الحج وغيره ، وهذا هو الذي يوجه إلى من بعد أولئك الذين أسلموا في الصدر الأول بعد ان كانوا مشركين إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أي واسع المغفرة والرحمة لمن استغفره تائبا منيبا * * * ( 200 ) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ