الشيخ محمد رشيد رضا

217

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ * * * اتصال هذه الآيات بما قبلها جلي جدا لا سيما لمن قرأ ما تقدم من التفسير ، فان آيات القتال السابقة نزلت في بيان أحكام الأشهر الحرم والاحرام والمسجد الحرام ، فكان الغرض الأول من السياق بيان أحكام الحج بعد بيان أحكام الصيام لان شهوره بعد شهره الذي هو رمضان . ولما أراد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم العمرة وصده المشركون أول مرة بالحديبية وأراد القضاء في العام القابل وخاف أصحابه غدر المشركين بهم واضطرارهم إلى قتالهم إذا هم نقضوا العهد وبدأوا بالقتال أنزل اللّه تعالى أحكام القتال بعد ذكر الحج في الجواب عن حكمة اختلاف الأهلة ثم عاد إلى إتمام أحكام الحج فقال وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فالعطف والتعبير بالاتمام ظاهران في أن السياق في الكلام عن الحج ، ولذلك لم يقل هنا كتب عليكم الحج كما قال في الصيام . وقد كان الحج معروفا في الجاهلية لأنه فرض على عهد إبراهيم وإسماعيل فأقره الاسلام في الجملة ، ولكنه أزال ما أحدثوا فيه من الشرك والمنكرات ، وزاد ما زاد فيه من المناسك والعبادات ، فالآية ليست في فرضيته وفرضية العمرة بل هي في واقعة تتعلق بهما وبقاصديهما وقد كانوا توجهوا إلى ذلك قبل نزولها بعام كما تقدم ، فدل ذلك على أن المشروعية سابقة لنزول هذه الآيات والمراد باتمام الحج والعمرة الاتيان بهما تامين ظاهرا بأداء المناسك على وجهها ، وباطنا بالاخلاص للّه تعالى وحده دون قصد الكسب والتجارة أو الرياء والسمعة فيهما ، ولا ينافي الاخلاص البيع والشراء في أثناء الحج إذا لم تكن التجارة هي المقصودة في الأصل . وسيأتي التفصيل في حكم التجارة في الحج في تفسير ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ )