الشيخ محمد رشيد رضا
218
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأما الرياء وحب السمعة فإذا كان هو الباعث على الحج فالحج ذنب للمرائي لا طاعة ، وإذا عرض الرياء في أثنائه فقيل إنه لا يقبل منه شيء لما ود من أن اللّه تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه ، والأحاديث في ذلك كثيرة ، وإذا كان هذا قد بدأ بالنسك لوجه اللّه فإنه لم يتم اللّه كما أمر ، وقيل بل يؤاخذ بقدر قصده الطاعة وإلاخلاص وقدر قصده الرياء ، وكل شيء عنده تعالى بمقدار ( 99 : 7 فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ 8 وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) وتجد القول في هذه المسألة مفصلا في كتاب الرياء من الجزء الثالث من ( الاحياء ) فراجعه وقد نبه الأستاذ الامام في الدرس لحال عامة الحجاج في هذا الزمان فقال إن أكثرهم لا يخطر في بالهم مناسك الحج وأركانه وواجباته ولا يقصدونها للجهل بها ، وإنما يقصدون زيارة ( أبو إبراهيم ) يعني النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومنهم من لا يعرف للحج معنى سوى هذه الزيارة ، وهؤلاء هم الهائمون المغرمون بالحج . ومن الناس من يحج ليقال له الحاج فلان أو ليحتفل بقدومه ، وهذا من أخس ضروب الرياء ، وكثير منهم يقترض بالربا ويحج فيريد أن يعبد اللّه بأنكر المنكرات وقد استدل بالآية القائلون بوجوب العمرة كالحج وهو المروي عن علي وابن عمر وابن عباس وجماعة من كبار التابعين وعليه الشافعي وأحمد . وقيل إنها سنة ويروى عن ابن مسعود وجابر بن عبد اللّه وعليه مالك والحنفية وعن أبي حنيفة قول بالوجوب . وقد تقدم ان الآية ليست في وجوب الحج والعمرة فلا تصلح حجة على القائلين بالسنية ، لان الامر باتمام الحج والعمرة خطاب لمن شرع فيهما ، وهو يصدق وإن كانت العمرة سنة ويدل على فرضية الحج قوله تعالى ( 3 : 97 وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) والأحاديث الصحيحة الصريحة . وأما الأحاديث في العمرة فمتعارضة . والصواب ان الأحاديث الناطقة بأن العمرة غير واجبة وبأنها تطوع ضعيفة ، وأقواها حديث الاعرابي الذي سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أخبرني عن العمرة أواجبة هي ؟ فقال « لا وأن تعتمر خير لك » وهو عند أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وصححه الترمذي وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وقد ضعفه الأكثرون