الشيخ محمد رشيد رضا

215

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحرام والشهر الحرام إذا بدأهم المشركون بذلك ، وان لا يبقوا عليهم إذا نكثوا عهدهم واعتدوا في هذه المرة ، وحكمها باق مستمر لا ناسخ ولا منسوخ ، فالكلام فيها متصل بعضه ببعض في واقعة واحدة فلا حاجة إلى تمزيقه ، ولا إلى ادخال آية براءة فيه ، وقد نقل عن ابن عباس انه لا نسخ فيها ، ومن حمل الامر بالقتال فيها على عمومه ولو مع انتفاء الشرط فقد اخرجها عن أسلوبها وحملها ما لا تحمل وآيات سورة آل عمران نزلت في غزوة أحد وكان المشركون هم المعتدين . وآيات الأنفال نزلت في غزوة بدر الكبرى وكان المشركون هم المعتدين أيضا . وكذلك آيات سورة براءة نزلت في ناكثي العهد من المشركين ولذلك قال ( 9 : 7 فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ) وقال بعد ذكر نكثهم ( 9 : 13 أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) الآيات « 1 » كان المشركون يبدءون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدءوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم باخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذاؤهم ومنع الدعوة - كل ذلك كافيا في اعتبارهم معتدين . فقتال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق ولذلك كان تقديم الدعوة شرطا لجواز القتال . وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان ، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة لا للاكراه على الدين فاللّه تعالى يقول ( 2 : 256 لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) ويقول ( 10 : 99 أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين فاللّه تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الأرواح ولا لأجل الطمع في الكسب ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة ، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان . فالروم كانوا يعتدون على حدود

--> ( 1 ) راجع تفسيرها في صفحة 165 الجزء العاشر من التفسير