الشيخ محمد رشيد رضا
204
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
صناعي أو كسب بشري ، فقد وقعت الأمم في الحيرة والخطأ في مسائله لجهلهم بالصلة والنسبة بين المخلوق والخالق ، فمنهم من وصفه تعالى بما لا يصح ان يوصف به ، ومنهم من توهم ان أعمالنا تفيده أو تؤلمه ، وانه ينعم علينا أو ينتقم منا بالمصائب لأجل ذلك . ومنهم من توهم ان الحياة الأخرى تكون بهذه الأجساد والجزاء فيها يكون بهذا المتاع ، فاخترعوا الأدوية لحفظ أجسادهم ومتاعهم . وإذا كان الانسان عاجزا عن تحديد ما يجب عليه ويحتاج اليه من الايمان باللّه وبالحياة الأخرى وما يجب عليه في الحياة الأولى شكرا للّه واستعدادا لتلك الحياة لان الحواس والعقل لا يدركان ذلك ، فلا شك انه محتاج إلى عقل آخر يدرك به ما يعوز افراده من هذه الأمور ، وهذا العقل هو النبي المرسل « 1 » وبقي ( قسم خامس ) وهو ما يستطيع العقل البشري ادراك الفائدة منه ولكنه عرضة للخطأ فيه دائما لما يعرض له من الأهواء والشهوات التي تلقي الغشاوة على الابصار والبصائر ، فتحول دون الوصول إلى الحقيقة ، أو تشبه النافع بالضار ، وتلبس الحق بالباطل . مثال ذلك السعاية والمخل يدرك العقل ما فيه من الضرر والقبح ولكنه إذا رأى لنفسه فائدة من السعاية بشخص زينها له هواه فيراها حسنة من حيث يخفى عليه ضررها لذاتها ، وكذلك شرب الخمر والحشيش قد يعرف الانسان مضرتهما في غيره ولكن الشهوة تحجبه عن ادراك ذلك في نفسه فيؤثر حكم لذته على حكم عقله الذي ينهاه عن كل ضار فصار محتاجا إلى معلم آخر ينصر العقل على الهوى ، ووازع يكبح من جماح الشهوة ليكون على هدى فما يمكن للانسان ان يصل اليه بنفسه ، لا يطالب الأنبياء ببيانه ، ومطالبتهم به جهل بوظيفتهم وإهمال للمواهب والقوى التي وهبه اللّه إياها ليصل بها إلى ذلك ، وكذلك لا يطالبون بما يستحيل على البشر الوصول اليه كقول بعض بني إسرائيل لموسى ( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ) وأما ما كان ادراكه ممكنا ، وكسبه بالحس والعقل متعذرا أو تحديده متعسرا ، فهو الذي نحتاج فيه إلى هاد يخبر
--> ( 1 ) وقد قال في رسالة التوحيد ان الوحي أو الدين الموحى به هو لنوع انسان كالعقل لافراده ، فنسمية النبي أو الوحي عقلا على التشبيه