الشيخ محمد رشيد رضا

205

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن اللّه تعالى لنأخذه عنه بالايمان والتسليم ، ولذلك قلنا إن الرسول عقل للأمة وهداية وراء هداية الحواس والوجدان والعقل لو كان من وظيفة النبي أن يبين العلوم الطبيعية والفلكية لكان يجب ان تعطل مواهب الحس والعقل ، وينزع الاستقلال من الانسان ، ويلزم بأن يتلقى كل فرد من أفراده كل شيء بالتسليم ، ولوجب ان يكون عدد الرسل في كل أمة كافيا لتعليم افرادها في كل زمن كل ما يحتاجون اليه من أمور معاشهم ومعادهم ، وإن شئت فقل لوجب ان لا يكون الانسان هذا النوع الذي نعرفه ، نعم ان الأنبياء ينبهون الناس بالاجمال إلى استعمال حواسهم وعقولهم في كل ما يزيد منافعهم ومعارفهم التي ترتقي بها نفوسهم ، ولكن مع وصلها بالتنبيه على ما يقوي الايمان ويزيد في العبرة . وقد أرشدنا نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا في واقعة تأبير النخل إذ قال « أنتم أعلم بأمور دنياكم » « 1 » ومن ههنا كان السؤال عن حقيقة الروح خطأ وقد أمر اللّه نبيه ان يجيب السائلين بقوله ( 17 : 85 قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) اي انها من المخلوقات التي لا يسئل النبي عنها كما كان السؤال عن علة اختلاف أطوار الأهلة خطأ لا تصح مجاراة السائل عليه بل عده القرآن من قبيل إتيان البيوت من ظهورها كما في تتمة الآية فان قيل إن التاريخ من العلوم التي يسهل على البشر تدوينها والاستغناء بها عن الوحي فلماذا كثر سرد الاخبار التاريخية في القرآن وكانت في التوراة أكثر ؟ والجواب ليس في القرآن شيء من التاريخ من حيث هو قصص وأخبار للأمم أو البلاد لمعرفة أحوالها ، وانما هي الآيات والعبر تجلت في سياق الوقائع بين الرسل وأقوامهم ، لبيان سنن اللّه تعالى فيهم ، انذارا للكافرين بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وتثبيتا لقلبه وقلوب المؤمنين به ( وسترى ذلك في محله إن شاء اللّه تعالى ) ولذلك لم تذكر قصة بترتيبها وتفاصيلها ، وانما يذكر موضع العبرة فيها ( 12 : 110 لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ) ( 11 : 120 وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ )

--> ( 1 ) رواه مسلم من حديث أنس وعائشة