الشيخ محمد رشيد رضا
199
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يحلّ له ولا يكون من الباطل فقال تعالى وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ أي ولا تلقوا بها إلى الحكام رشوة لهم لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إبطالا لهذا الاعتقاد ليعلم أن الحق لا يتغير بحكم الحاكم بل هو ثابت في نفسه وليس على الحاكم الا بيانه وايصاله إلى مستحقه بالعدل ، بل قال الأستاذ الامام : إن الحاكم عبارة عن شخص العدل الناطق بما لكل أحد منه اه أي فإذا نطق بغير الحق خطأ أو اتباعا لهواه ، فقد خرج عن حقيقته ومعناه ، وتعريفه للمحكوم له غير ما يعرفه لا يغني عنه شيئا ، وكذلك إلزام خصمه التنفيذ . نعم ، ان كان المحكوم له بالباطل في الواقع يعتقد أنه صاحب الحق لشبهة عرضت له وحكم له الحاكم يكون معذورا فيما يأكله بحكمه ، ولا يعذر إذا كان عالما بأنه غير محق لان حكم القاضي على الظاهر فقط . قال الأستاذ الامام : قد نفت الآية الاشتباه وبينت أن الاستعانة بالحكام على أكل المال بالباطل محرم لان الحكم لا يغير الحق في نفسه ولا يحله للمحكوم له به ، ومع هذا قد اختلف علماؤنا في حكم القاضي هل هو على الظاهر فقط أم ينفذ ظاهرا وباطنا ويكون الاثم على القاضي وحده ان تعمد الجور دون المحكوم له ، فالجمهور على أن حكم القاضي ينفذ ظاهرا فقط ، وأبو حنيفة على أن حكم القاضي بنحو الطلاق وعقد النكاح أو فسخه ينفذ ظاهرا وباطنا وان كان الشهود زورا ، وان حكمه بالمال لا ينفذ إلا ظاهرا فلا يحل للمحكوم له تناوله إذا لم يكن له . وأزيد المسألة وضوحا بالتمثيل فأقول يعني ان القاضي إذا حكم بفسخ النكاح أو التفريق بين الزوجين بشهادة زور حرم عليهما أن يعيشا معا عيشة الأزواج ، وإذا شهد شهود الزور بأن فلانا عقد على فلانة وحكم القاضي بصحة العقد حل للرجل المحكوم له أن يدخل بها بغير عقد اكتفاء بحكم القاضي الذي يعلم أنه بغير حق . وقد نقل النووي في شرح مسلم أن الشافعي حكى الاجماع على أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ، وقد علمت أن عليه الجمهور ومنهم صاحبا أبي حنيفة فلم يخالفاه الا لأنه ظهر لهما قوة دليل الجمهور ، ومنه حديث أم سلمة عند الجماعة :