الشيخ محمد رشيد رضا

196

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أقول : وأبلغ من هذا وذاك ما ذكره الفقهاء من أنه لا يجب على العاري الذي لا يجد ما يستر عورته في الصلاة أن يستعير ثوبا يصلي فيه أو يقبله صدقة ممن يبذله له لما في ذلك من المنة التي لا يكلفه الاسلام احتمالها ، وله أن يصلي عاريا قال : ومنه تحريم الربا لأنه أكل لأموال الناس بدون مقابل من صاحب المال المعطي ، ومثل لذلك بما يقع في الناس كثيرا من أكل الربا أضعافا مضاعفة ، وفرق بينه وبين السلم ، وقال إن روح الشريعة تعلمنا بمثل هذه الآية أنه يطلب من الانسان أن يكتسب المال من الطرق الصحيحة المسروعة التي لا تضر أحدا ، وإنما أجمل وأوجز القرآن في الباطل لأنه من الأمور المعروفة للناس بوجوهه الكثيرة ، وحسب المسلم أن يكف عن كل ما يعتقد أنه باطل ، على أنه بين هذا الاجمال في أمور قد تخفى على الناس كالادلاء إلى الحكام الآتي وكتحريم الربا اي ربا الفضل المنهي عنه في الحديث دون ربا النسيئه المحرم بنص القرآن فهو لا خفاء في بطلانه لأنه زيادة في المال لأجل التأخير في اجل الدين الذي استهلك لا لمنفعة جديدة ويدخل في هذا الباب التعدي على الناس بغصب المنفعة بأن يسخر بعضهم بعضا في عمل لا يعطيه عليه أجرا ، أو ينقصه من الاجر المسمى أو أجر المثل ، ويدخل فيه سائر ضروب التعدي والغش والاحتيال كما يقع من السماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التلبيس والتدليس ، إذ يزينون للناس السلع الرديئة ، والبضائع المزجاة ، ويسولون لهم فيورطونهم ، وكل من باع أو اشترى مستعينا بايهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحة بحيث لو عرف الخفايا وانقلب وهمه علما لما باع أو لما اشترى فهو آكل لماله بالباطل ومن هؤلاء الموهمين باعة التولات والتناجيس « 1 » والتمائم ، وكذا العزائم وختمات القرآن والعدد المعلوم من سورة ( يس ) أو بعض الأذكار ، وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدين ان كان بعض المشهورين منهم يبيع سورة ( يس ) لقضاء الحاجات

--> ( 1 ) التولات جمع تولة كعنبة ما تحمله المرأة ليحبها زوجها ، والسحر والتناجيس ما يحمل لنحو ذلك أو للعين من الخرز والعظام التي يعلقنها على الأطفال ، أو للحفظ من الجن والشياطين