الشيخ محمد رشيد رضا
197
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو لرحمة الأموات يقرؤها مرات كثيرة ، ويعقد لكل مرة عقدة في خيط يحمله حتى إذا ما جاءه طالب ابتياع القراءة وأخذ منه الثمن بعد المساومة يحل له من تلك العقد ، بقدر ما يطلب من العدد ، ذكر هذه الواقعة الأستاذ الامام في الدرس ، وقد كنا نسمع عن رؤساء بعض النصارى نحو هذا في بيع العبادة التي يسمونها القداديس فنسخر منهم ، حتى علمنا اننا قد اتبعنا سنتهم شبرا بشبر حتى دخلنا في جحر الضب الذي دخلوه قال الأستاذ : ان كل أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال الناس بالباطل وقد مضى الصدر الأول ولم يكن أحذ الاجر على عبادة ما معروفا ، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأول والثاني كلمة تشعر بذلك ، ثم لا يعقل أن تحقق العبادة وتحصل بالأجرة ، لان تحققها انما يكون بالنية وإرادة وجه اللّه تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره ، ومتى شاب هذه النية شائبة من حظ الدنيا خرج العمل عن كونه عباده خالصة للّه ، واللّه تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا من الحظوظ والشوائب ( أقول ) وقد ورد على لسان الشارع تسمية مثل هذا العمل شركا ففي حديث مسلم وغيره « قال اللّه تعالى : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه - إذا كان يوم القيامة أتي بصحف مختمة فتنصب بين يدي اللّه تعالى فيقول اللّه لملائكته : اقبلوا هذا وألقوا هذا ، فتقول الملائكة وعزتك ما رأينا إلا خيرا ، فيقول نعم لكن كان لغيري ، ولا أقبل اليوم إلا ما ابتغي به وجهي » ) وفي رواية يقولون « ما كتبنا إلا ما عمل » الخ وفي حديث أحمد والترمذي وابن ماجة « إذا جمع اللّه الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله للّه أحدا فليطلب ثوابه من عنده فان اللّه أغنى الشركاء عن الشرك » وإنما يظهر تأويل مثل هذا فيمن قصد العبادة والاجر معا بحيث لو لم يستأجر للقراءة ( مثلا ) لقرأ . وأما من لا يقصد إلا الأجرة فإذا لم تكن لا يقرأ تلك الختمة أو العدد من السورة أو الذكر فأمره أقبح ، وذنبه أكبر ، وعمله باطل لا يعتد به شرعا ، فدافع الاجر عليه خاسر لماله ، وآخذه منه خاسر لمآله ، ومثل قصد الأجرة المالية الرياء فإنه منفعة معنوية وقد فرّق بعض الفقهاء بين قراءة القرآن وتعليمه ، فأجاز أخذ الأجرة على