الشيخ محمد رشيد رضا

195

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الخطاب لعامة المكلفين والمراد لا يأكل بعضكم مال بعض ، واختار لفظ أموالكم وهو يصدق بأكل الانسان مال نفسه للاشعار بوحدة الأمة وتكافلها ، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك ، لان استحلال التعدي واخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب ، ففي هذه الإضافة البليغة تعليل للنهي ، وبيان لحكمة الحكم ، كأنه قال لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل ، لان ذلك جناية على نفس الآكل ، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها ، لا بد ان بصيبه سهم من كل جناية تقع عليها ، فهو باستحلاله مال غيره يجرّيء غيره على استحلال اكل ماله عند الاستطاعة ، فما أبلغ هذا الايجاز ! وما أجدر هذه الكلمة بوصف الاعجاز وفي الإضافة معنى آخر قاله بعضهم وهو التنبيه على أنه يحب على الانسان ان ينفق مال نفسه في سبيل الحق وان لا يضيعه في سبل الباطل المحرمة ، ونظر فيه آخر بما رضيه الأستاذ الامام فقال إنه صحيح في ذاته ولكن فهمه من الآية بعيد لقوله ( بَيْنَكُمْ ) فهو صريح في أن المراد ما يقع به التعامل بين اثنين فأكثر والمراد بالاكل مطلق الاخذ والتعبير عن الاخذ بالاكل معروف في اللغة تجوزوا فيه قبل نزول القرآن ، ومنشؤه ان الاكل أعم الحاجات من المال وأكثرها ، وان كان بعض الناس يفضل غير الاكل من الأهواء ينفق فيه المال ، فان هذا لا ينفي ان الحاجة إلى الاكل وتقويم البنية أعظم وأعم . وأكثر ما يستعمل أكل المال في مقام أخذه بالباطل وقد يستعمل في غيره وأما الباطل فهو ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي ، وهو من البطل والبطلان ، أي الضياع والخسار ، فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية يعتد بها ، ورضاء من يؤخذ منه ، وكذلك إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع قال الأستاذ الامام : ومن ذلك تحريم الصدقة على القادر على كسب يكفيه وإن تركه حتى نزل به الفقر اعتمادا على السؤال ، ونقول إنها كما حرمت إعطاءه حرمت عليه الاخذ إذا هو أعطاه معط ، فلا يحل لمسلم أن يقبل صدقة وهو غير مضطر إليها ، ولا للمضطر إلا إذا كان عاجزا عن إزالة اضطراره بسعيه وكسبه