الشيخ محمد رشيد رضا

193

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هو ما كان واصلا إلى دماغ أو بدن ، أو ما كان داخلا من منفذ أو واصلا إلى الجوف ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند اللّه ورسوله ، ويقولون إن اللّه ورسوله انما جعل الطعام والشراب مفطرا لهذا المعنى المشترك من الطعام والشراب ومما يصل إلى الدماغ والجوف من دواء المأمومة والجائفة وما يصل إلى الجوف من الكحل ومن الحقة والنقط في الإحليل وغير ذلك . وإذا لم يكن على تعليق اللّه ورسوله للحكم بهذا الوصف دليل كان قول القائل : ان اللّه ورسوله انما جعلا هذا مفطرا لهذا - قولا بلا علم ، وكان قوله « ان اللّه حرم على الصائم أن يفعل هذا » قولا بأن هذا حلال وهذا حرام ، بلا علم ، وذلك يتضمن القول على اللّه بما لا يعلم وهذا لا يجوز ومن اعتقد من العلماء أن هذا المشترك مناط الحكم فهو بمنزلة من اعتقد صحة مذهب لم يكن صحيحا ، أو دلالة لفظ على معنى لم يرده الرسول ، وهذا اجتهاد يثابون عليه ، ولا يلزم أن يكون قولا بحجة شرعية يجب على المسلم اتباعها ( الوجه الرابع ) ان القياس انما يصح إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم « 1 » إذا سبرنا أوصاف الأصل فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين ، وحيث أثبتنا علة الأصل بالمناسبة أو الدوران أو الشبه المطرد عند من يقول به ، فلا بد من السبر ، فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يجز ان يعلل الحكم بهذا دون هذا ومعلوم ان النص والاجماع اثبتا الفطر بالاكل والشرب والجماع والحيض والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد نهى المتوضيء عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائما ، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم وهو قياس ضعيف ، وذلك لان ( من ) نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه ، فيحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه ، ويغذى بدنه من ذلك الماء ، ويزول العطش وبطبخ الطعام في معدته كما يحصل

--> ( 1 ) يعني ان القياس انما يصح في حالة عدم دلالة نص الشارع علي علة الحكم بالشرط الآتي