الشيخ محمد رشيد رضا

189

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فقال عامة أهل العلم : ليس عليه غير القضاء ، وقال عطاء : عليه القضاء والكفارة وحكي عن الأوزاعي وهو قول أبي ثور والمجامع الناسي فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره ، ويذكر ثلاث روايات عنه ( إحداها ) لا قضاء عليه ولا كفارة ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين ( والثانية ) عليه القضاء بلا كفارة وهو قول مالك ( والثالثة ) عليه الأمر ان وهو المشهور عن أحمد . والأول أظهر كما قد بسط في موضعه ، فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة ان من فعل محظورا مخطئا أو ناسيا لم يؤاخذه اللّه بذلك وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله ، فلا يكون عليه اثم ، ومن لا اثم عليه لم يكن عاصيا ولا مرتكبا لما نهي عنه ، وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به ولم يفعل ما نهي عنه ، ومثل هذا لا يبطل عبادته ، انما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به أو فعل ما حظر عليه . وطرد هذا ان الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات لا ناسيا ولا مخطئا لا الجماع ولا غيره وهو أظهر قولي الشافعي وكذلك طرد هذا ان الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيا أو مخطئا فلا قضاء عليه وهو قول طائفة من السلف والخلف ، ومنهم من يفطر الناسي والمخطيء كمالك ، وقال أبو حنيفة : هذا هو القياس لكن خالفه لحديث أبي هريرة في الناسي ، ومنهم من قال لا يفطر الناسي ويفطر المخطيء ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي واحمد ، فأبو حنيفة جعل الناسي موضع استحسان ، وأما أصحاب الشافعي واحمد فقالوا النسيان لا يفطر لأنه لا يمكن الاحتراز منه بخلاف الخطأ فإنه يمكنه ان لا يفطر حتى يتيقن غروب الشمس وان يمسك إذا شك في طلوع الفجر وهذا التفريق ضعيف والأمر بالعكس ، فان السنة للصائم ان يعجل الفطر ويؤخر السحور ، ومع الغيم المطبق لا يمكن اليقين الذي لا يقبل الشك إلا بعد ان يذهب وقت طويل جدا يفوت المغرب ويفوت تعجيل الفطور ، والمصلي مأمور بصلاة المغرب وتعجيلها ، فإذا غلب على ظنه غروب الشمس امر بتأخير المغرب إلى حد اليقين فربما يؤخرها حتى يغيب الشفق وهو لا يستيقن غروب الشمس وأيضا فقد ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر قالت : أفطرنا